وشعوره الثائر، كما في رثائه لقرطبة، وفي وصفه للفتنة آنذاك، لذلك فقد"يعتبر شعره فيها فاتحة لرثاء المدن في الأندلس" [1] .
وكما كان لتلك الأحداث السياسية الأثر المنفر في نفس الشاعر كان لها أيضًا أثر معاكس تمثل عند ابن شهيد خاصة، فقد كانت سببًا في تجدد طموحه لنيل الوزارة، وسعيه وراء تولي المنزلة الرفيعة في الدولة، وهو غرض تحمله ثنايا صوره، وأغراضه الشعرية، وإن لم يصرح به غير أنه يمثل الحافز الأقوى في جلِّ أغراضه ومعانيه، فتوالي الخلفاء عليها كان دافعًا للشاعر لأن يمدحهم ويتقرب منهم، وعندها لم يكن مدحه نابعًا من إحساس وشعور ذاتي بالولاء والمناصرة للممدوح بل هو شعور متصنع يهدف لغرض يسعى للحصول عليه، وإن شكل أقل معاني المدح قوة وبلاغة، وحضورًا في ديوانه من مدحه لآل العامريين مثلًا، على حين نجده في الطرف الآخر يهجو من تولى الوزارة ولم يكن - في رأيه - أهلًا لها، كهجائه للوزير ابن الفرضي.
وارتباط ابن شهيد بهذه الظروف ما بين الطموح واليأس أثَّر وبوضوح على شعره وتصويره فجاء انعكاسًا لهذه الظروف متفاوتًا في مستوى أداءه، ومعاني صوره.
فمما قاله في رثاء قرطبة، وهي أبيات تحمل مشاعر اليأس والضجر [2] : -
أَسَفِي على دارٍعَهدْتُ ربوعَها ... وظباؤُها بفنائِها تَتَبَخْتَرُ
أَيّامَ كانَتْ عَيْنُ كُلِّ كَرامةٍ ... مِن كُل ناحِيَةٍ إِلَيْها تَنظُرُ
أ َيْامَ كانَ الأَمْرُ فيها واحِدًا ... لأَمِيرها وأَمِيرِ مَن يتَأَمَّرُ
أَيَّامَ كانَتْ كَفُ كُلِّ سَلامةٍ ... تسمو إِلَيْها بالسّلام ِ وتَبْدُرُ
حَزَني على سَرَواتِها ورُواتِها ... وثِقاتِها وحُماتِها يَتَكَرَّرُ
نَفْسِي على آلائِها وصفائِها ... وبَهائِها وسَنائِها تَتَحَسَّرُ
أما طموح الشاعر السياسي فقد يدفعه أحيانًا إلى نظم القصائد المنمقة والأبيات المحبرة بما يتناسب ومطالبه الشخصية والأحوال السياسية، فتأتي أبياته وصوره
(1) ديوان ابن شهيد الأندلسي ورسائله، تحقيق وجمع، د: محي الدين ديب، ص: 7
(2) ديوان ابن شهيد الأندلسي، تحقيق: د. يعقوب زكي، ص: 109.