الصفحة 25 من 232

نجد البكاء ماثلًا في الوجود من حوله، متفاعلًا مع شعوره، ومواسياَ له في أحزانه، وهذا غاية ما يطلبه ويتخيله الشاعر الحزين، أن يشترك معه الكون في أحزانه؛ أما في الصورة الثانية حيث يصف الخمر ويصور أحوال اللهو، فإن رقة التعبير وبساطة التراكيب والصور، وما تثيره من تناغم موسيقي طرب في الأبيات، كان دليلًا على ضعف حجم المعاناة، والانفعال العاطفي لدى الشاعر، فجاءت بسيطة تتناسب وما اعتاده ابن شهيد من مظاهر اللهو.

فمن خلال ذلك العرض يمكننا القول أن التفاوت في مستوى الأداء البلاغي بين صور المعاني الشعرية عند ابن شهيد، يأتي أيضًا متفاوتًا تباعًا لذلك التباين في المواقف، والظروف. وذلك بحسب درجة المعاناة والصدق فيهما، مما يظهر لنا في تفاصيل عرض الفصل الأول، ومما تتمثل جانباَ منه الصورتان السابقتان التي تصف شخصية ابن شهيد الأندلسي في حالتيها الجد واللعب.

نُسَلِمُ من خلال ما سبق ومن استقراء الطابع الفني والتعبيري في ديوان الشاعر أن المصدر الشخصي والاجتماعي هو أبرز المصادر تأثيرًا وعمقًا في نفس ابن شهيد، إذ نحسه يطفو على أدبه ويشكل صوره ومعانيه، ويتحكم في صياغة نتاجه الشعري كما سنرى من دراسة، مستويات الأداء البياني في شعره.

2 -أحداث الوضع السياسي في قرطبة: -

في تاريخ قرطبة وفي عصر ابن شهيد بالتحديد كانت تلك المدينة التي أحب الشاعر طبيعتها، ونعيمها، ولهوها، كما أحب الرخاء ورغد العيش فيها؛ ترزح تحت سعير الحروب والفتن المتوالية، التي عصفت بأمنها فبددته، وضربت بطبيعة جمالها الفطري صفحًا عن مظاهر الحياة إلى الدمار والفناء , فكان من نتاج تعلق الشاعر بها أن تركت في نفسه مواقف انفعالية مؤثرة فَحَزِنَ أشد الحزن لفقدها، وبكى رمز فخرها الضائع، بكاء الفاجع اليائس من تغير الحياة وتبدل النعيم بأسباب الدمار ومظاهر الخراب، فلم يملك ابن شهيد تجاه ذلك الحال إلا السخط البالغ والبغض العميق لتلك الفتنة الجائرة وأحداثها الناقمة والذي حمله في نفسه، ثم ضمنه نظمه، فجاءت معاني صوره تعكس جانبًا من مكنوناته النفسية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت