الصفحة 24 من 232

دافعًا لأن يكون هجاؤه قويًا مقذعًا في صوره ومعانيه، أما شكوى الشاعر فهي تجمع بين الرثاء، والهجاء، إذ يعتصرالألم والأسى قلبه على فراق الأصحاب، وظهور بوادر الموت، وإحساس الظلم، ومرارة الخيانة، وقسوة الصديق، فعبر عن بغضه لتلك الرزايا بصورة فنية بديعية، ومؤثرة تحمل للمتلقي صدق تلك المشاعر، أما اللهو وهو الشق الثاني في تكوين شخصية ابن شهيد الأندلسي فقد كان ما نظمه من أبيات، وما تناوله من معانٍ، منظارًا يكشف عن تمتعه بروح الفكاهة والتحرر، والعبث البالغ حدَّ الإسراف، على الرغم من قلة ما تطرق له من معانٍ شعرية في ديوانه.

فمن ذلك نجد أن طبيعة حياته المضطربة التي تذبذبت بين العلو والانخفاض في أثرها وتأثيرها النفسي، والعقلي، تلقي بظلالها على أدبه وصوره، والتي جاءت أيضًا متذبذبة في مستويات أدائها، من حيث صياغاتها البلاغية، ومعانيها الشعرية، فتارة تعلو وأخرى تنخفض كقوله يشكو آلام سجنه [1] : -

وقُلتُ لصَدَّاح الحمامِ وقد بكَى ... على القصر إلفًا والدُّمُوع تجُودُ

ألا أيُّها الباكي على من تُحِبُه ... كِلانَا مُعنًّى بالخلاءِ فريدُ

وهل أنت دانٍ من مُحبٍّ نأى به ... عن الإلفِ سُلطانٌ عليه شَديدُ؟

وكقوله يلهو [2] : -

أَذ َّنَ الدِّيكُ فَثُبْ أو ثَوِّبِ ... وأنْضح القَلْبَ بماءِ العِنَبِ

وتأَمَّلْ آية ً مُعجِزة ً ... ما قَرَأنَا مِثلَها في الكُتُبِ

ركع الإبريقُ من طاعتهِ ... وبكى فابتلَّ ثوبُ الأكوُبِ

فعند القراءة المتأنية المتذوقة لتفاصيل الوصفين في الصورتين السابقتين نجد أن انفعال الشاعر يبدو صادقًا عميقًا، ومؤثرًا في شكوى ألم السجن، من خلال ما يستخدمه من ألفاظ معبرة، وتراكيب وصور ناطقة بمعاني الحزن والألم، والتي صاغها وبناها وفق ما تمليه عليه مشاعره النفسية المضطربة، واليائسة، إذ

(1) ديوان ابن شهيد الأندلسي، ص: 101.

(2) المرجع السابق، ص: 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت