فهو يتخيل أن شدة صفاء السماء وظهور البدر فيها، له من الإبداع والجمال، ما كانت معه أشبه بخميلة خضراء، مطمئنة، تنعم بالخير العميم بسبب وجود الغدير فيها، وبالغ في التصوير فجعل البدر جزء مستمدًا من ذلك الغدير في الربى فقال:"لاح البدر من غدرانها".
يقول الدكتور إحسان عباس:"فتصور القمر غديرًا من تخيلات ابن شهيد الخاصة، أما رؤية النجم في شكل ضأن أو صوار فهي متوفرة في الشعر القديم، كشعر ذي الرمة، وقد أضاف إليها ابن شهيد جعله الجوزاء راعيًا وجمع بين البيتين لتمام منظر واحد" [1] .
ومنه أيضًا قوله يصف قرطبة [2] : -
ومسالِكُ الأَسْواق ِ تشهد أَنَّها ... لا يَستَقِلُ بسالِكِيها المَحْشَرُ
فهو يبالغ في وصف قرطبة وحيويتها، بما لا يتوقع معه السكون والخراب، فمسالك أسواقها تهدر بأهلها، عبر عن ذلك بمعنى أقوى تأثيرًا في النفس لتخيل حشد الناس، وأبين للحياة والحركة، وهو يوم المحشر، عندما نفى أن يستقل المحشر بسالكي أسواقها، فالصورة هنا تحمل من التجديد في الوصف بالكثرة ما كانت بسببه غريبة، إذ تضمنت من المبالغة في الوصف ما فاق الحدود، فذكر يوم الحشر عندما يجتمع الخلق في مكان واحد، وجعله وصفًا لازمًا لتجمع أهلها فيها.
"وهذه الصور وأمثالها على قلتها أوضحت قدرة أبي عامر على تأليف الصور بجمع أوجه الاستعارة والكناية والتشبيه في شعره" [3] .
مما سبق يجدر بنا أن نشير إلى أن ابن شهيد في صوره يتردد بين التجديد والتقليد الذي يحاول فيه الإبداع بالقدر الذي تسعفه به ثقافته وطبيعته، فهو كما قال عنه الدكتور إحسان عباس:"قد غطى على محاكاته، وأخذ بعض المعاني من غيره، إلا أنه يحاول دائمًا أن يكون مبتكرًا مجددًا , يضيف إلى ما يأخذ، أو يبتكر"
(1) تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، ص: 241. وراجع ص: 15 من الدراسة، ومنها يقول:
وكأَنَّ نَثْرَ النَّجْم ِ ضَأْنٌ وسْطَهَا ... وكأَنَّمَا الجَوْزاءُ راعِي ضأنِهَا
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 110.
(3) ابن شهيد الأندلسي حياته وأدبه، ص: 156.