الصفحة 139 من 232

السجع لون من ألوان البديع اللفظي: -

لقد نال فن السجع اهتمامًا بالغًا في تاريخ البلاغة العربية، إذ تقبل بقبول حسن، ونزل منزلة رفيعة في أوساط الأدباء والنقاد، فما جاء به من تناغم موسيقي وانسجام لفظي بين سياقات الكلام، بهر الأنظار، وسلب انتباه الأفكار، فتركز جماله في النفس، والعقل والنطق، خاصة إذا ما كان متاخمًا للمعاني فياضًا عليها من ظلاله الصوتية المؤثرة في التنسيق والعرض، فيكون بذلك ميزة البراعة والقدرة الفنية والأدبية، وسلمًا صعبْ الترقي إذا ما تحرى فيه الإتقان، والسجية المطبوعة الخالية من التكلف والتعمية.

وسبيل السجع في الكلام عُرفٌ جمالي وصوتي قديم في التعبير، منذ عصور الجاهلية الأولى حيث الكهانة والعرافة، وترنيماتهم الموسيقية الآخذة بلباب العقول والأفئدة، والتي ما لبثت أن تكشفت عن ضعفها وقلة حيلتها بنزول كتاب الله"القرآن الكريم"، الذي ارتقى بهذا الأسلوب إلى أسمى غاياته، مما دفع إعجاب العلماء به إلى عكوفهم مليًا على سبر أغور تلك الظاهرة الصوتية واللغوية المنطوقة، والكشف عن أساريرها، والإبانة عن وجوه الإعجاز فيها وبلاغتها ودلائل التفوق والبراعة في تناولها، ليصبح بعد ذلك علم يُدرس، وأسلوب يطلب ويمارس، فقنن وأسس ليطلق على كلِّ تعبير كان فيه الـ"تواطؤ بين الفاصلتين من النثر على حرف واحد" [1] ويعتبر عند الكثيرين دليلًا أساسيًا على جمال الطرح النثري، وقد قيل فيه"أن الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر" [2] فهو ميزة في الأداء النثري كما أن القوافي ميزة النظم الشعري، ولم تترك هذه الميزة غفلًا مطلقة دون حدود، تبرز إبداعها وجمالها، وتفندها عما يشين ويستهجن من الأصوات والتعبيرات، بل وضُع لها من الشروط ما كانت معه جديرة بأن توصف بأنها ظاهرة بديعية وقدرة فنية تدل على البراعة والبلاغة، إذا ما استخدمت وظهرت في السياق، غير متكلفة أو ممجوجة، أو مستكرهة، وهي على ذلك فالحسن فيها لا يأتي على مستوى متفق في الكل وإنما يخضع للسياق، واللفظ، والتركيب، والصورة، وهذا ما سأوضحه في تناول مستويات الأداء السجعي عند ابن شهيد. إنشاء الله.

(1) الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 106.

(2) المصدر السابق، ص: 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت