الصفحة 140 من 232

لون الأداء السجعي في رسالة"التوابع والزوابع": -

ترنم ابن شهيد الأندلسي عند طرح أفكاره، وآرائه، بإيقاع موسيقي متناغم، خلع على نظمه عنصر التشويق الفني، والجمال التعبيري والاستقطاب العقلي والنفسي للقارئ، اعتمد فيه على وسائل متعددة وأساليب متنوعة، ظهر بعض منها في الصورة، أوفي تركيب الجمل أو في الأثر الصوتي والدلالي للكلمة؛ وكان السجع من أبرز تلك الوسائل البديعية الصوتية حضورًا في رسالته، إذ جرى فيها الكاتب على نهج أساسه أسلوب المقامات عند الهمداني، والحريري، حيث يصرف فيها الكاتب اهتمامه بالنغم الموسيقي محاولًا المحافظة عليه في ثنايا عرضه، مع الحرص الدائم على مراعاة التوافق اللفظي والمعنوي قدر الإمكان، فيكون المنشئ حيالها بين وصفين: متكلف للنظم تارة، وعلى سجيته وطبعه أخرى، فتأتي تعبيراته بين القلقة النابية، أو المقبولة الحسنة؛ وعند الوقوف أمام رسالة"التوابع والزوابع"يلحظ أن قصر الرسالة أتاح لكاتبها فرصة أكبر لتحري جادة الصواب والجمال الفني المشروط لهذا الفن البديعي في التجانس مع المعاني والخلو من التكلف والبعد عن المشقة والاستهجان، فلا نكاد نجد كلمة نابية عن مضمونها أو لفظة قلقة عن موطنها من السرد، إلا ما تصرف فيه الكاتب قصدًا سواء في الوزن أو الصياغة، وهو قدر ضئيل بالقياس إلى ما جاء منه على السجية والطبع، والسياق المبدع، والذي أعمل فيه ابن شهيد حسه النقدي في تحريه، وطلبه، وذلك ما نوه به في صلب الرسالة في نقل رأي تابعي الجاحظ [1] ، وعبد الحميد [2] في ذلك، يقول:"وقالا: إنَّ لسَجْعِكَ موضِعًا من القلب، ومكانًا من النفس، وقد أعرتَه مِنْ طَبْعك، وحَلاوةِ لَفظك، وملاحةِ سَوقك، ما أزالَ أَفْنَه [3] ، ورفَع غَيْنَه [4] " [5] .

(1) (*) سبقت ترجمته ص 109.

(2) (**) سبقت ترجمته ص 109.

(3) الأفن النقص، لسان العرب، مادة أفن.

(4) الغين من الغي الضلال. المعجم الوجيز مادة غي.

(5) رسالة التوابع والزوابع، ص: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت