الصفحة 15 من 232

في بطالته وأعجب الناس تفاوتًا ما بين قوله وفعله، أحطهم في هوس نفسه وأهتكهم لعرضه وأجرائهم على خلقه" [1] ."

وقد عُرف ابن شهيد بين أقرانه بكرم ذات اليد، وبسط اليمين في الجود والبذل، ولعل ذلك من تداعيات الحياة المترفة، والعيش الرغد في بطالة، فقد روي عنه أنه"كان جوادًا لا يليق شيئًا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس، مائلًا إلى الهزل، وكان له من علم الطب نصيب وافر" [2] إلى جانب ذلك فقد كان عالي الهمة، عظيم التفاخر بالذات والأصل

وقد جلب له فهمه، وبراعته الأدبية، تفاخرًا آخر، فما أن انكب على العلم والأدب، ونهل من مناهل الشعر والنثر، حتى ثارت في نفسه ملكة التذوق والنقد، ساعده في ذلك سرعة البديهة، ونبوغ الموهبة، وصفاء الذهن، وتوقد القريحة، فأبدع في النظم، وأجاد في التأليف والتحبير والنقد، وعجب ابن حيان من عظم تلك القدرة الأدبية النافذة فقال:"والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نثره ونظمه في بديهته ورويَّتِّهِ، فيقود الكلام كما يريد من غير اقتناء للكتب، ولا اعتناء بالطلب، ولا رسوخ في الأدب، فإنه لم يوجد له - رحمه الله - فيما بلغني بعد موته، كتاب يستعين به على صناعته ويشحذ من طبعه إلا ما لا قدر له، فزاد ذلك في عجائبه، وإعجاز بدائعه."

وكان في تنميق الهزل والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك، وشعره حسن عند أهل النقد تصرف فيه تصرف المطبوعين، فلم يقصر عن غايتهم.

وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة وأنواع التعريض والأهزال، قصار وطوال، برز فيها شأوه، وبقاؤها في الناس خالدة بعده، وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدته، مع رقة حواشي كلامه، وسهولة ألفاظه، وبراعة أوصافه، ونزاهة شمائله وخلائقه، آية من آيات الله خالقه" [3] ، يقول عنه ابن دحية:"وأبو

(1) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لأبي الحسن علي بن بسام الشنتريني، تحقيق د. إحسان عباس، الدار العربية للكتاب 1395 هـ، ق1، م1، ص: 50.

(2) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، تأليف أبو عبدالله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي الحميدي، ج4، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مطابع سجل العرب، ص: 136.

(3) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1، م1، ص: 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت