الصفحة 16 من 232

عامر هذا أرسخ أهل الأندلس قاطبة بالأدب، ينسل إليه من كل حدب، ولم يَر لنفسه في البلاغة أحدًا يجاريه، ويساجله في جميع العلوم ويباريه" [1] ."

ذلك التعاظم، والتباهي بالنفس والأدب، أثار حفيظة حساده، وأغضب خصومه والناقمين عليه، ومنهم ابن الحناط الكفيف [2] الذي يقول:"وأخونا أبو عامر يسهب نثرًا، ويطيل نظمًا، شامخًا بأنفه، ثانيًا من عطفه، متخيلًا أنه قد أحرز السباق في الأدب، وأوتي فصل الخطاب، فهو يستقصر أساتيذ الأدباء ويستجهل شيوخ العلماء" [3] ، فجرد ابن شهيد حينها قلمه وفكره، مدافعًا عن نفسه، متفاخرًا بأصله تارة، معتزًا بأدبه، وقدرته البلاغية والتعبيرية أخرى، فسارت حياته مع خصومه بين أخذ وردّ، كان من نتاجها رسالته"التوابع والزوابع"، ورسائل في وصف البعوض، والذئب، والماء وغيرها، وقصائد الفخر والهجاء، والوصف، وتوجيهات نقدية ترشد الدارس، والأديب لأسس البراعة ومواطن الفصاحة، والتفوق، منها - مثلًا - قوله في فصاحة اللسان وأصالة الموهبة:"وإنما يتبين تقصير المقصر، وفضل السابق المبرز، إذا اصطكت الركب، وازدحمت الحلق، واستعجل المقال، ولم توجد فسحة للفكرة، ولا أمكنت نظرة لرؤية، أو في مجالس الملوك عند أنسها وراحتها، فإنه يقع فيها، ويجري لديها، ما لا ينفع له الاستعداد، ولا ينفذ فيه غير الطبع والغريزة المتدفقة" [4] .

ومع كل تلك الهالة السعيدة من الحياة الرغدة، والنسب العالي، والقدرة الأدبية المتفوقة، والصلة الضاربة في قصور الخلافة الأموية، إلا أن شعورًا بالغصة، والضجر، يراوده ويقض مضجعه لفراغ يده من تحقيق طموحه في نيل الوزارة، عندها صب جام غضبه على عاهة الصمم التي كان يعاني منها، إذ يجد فيها السبب الذي قصر به عن بلوغ مراده، كما قصر بالجاحظ جحوظ عينيه، فيقول:"إلا أنه"

(1) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ج4، ص: 133.

(2) (*) هو الأديب أبي عبدالله أحمد بن سليمان بن الحناط الكفيف، زعيم من زعماء العصر ورئيس من رؤساء النظم، والنثر في تلك الآونة، وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام، وكان بينه وبين أبي عامر بن شهيد مناقضات في عدة رسائل وقصائد، وكان شاعرًا ضريرًا، وأوسع الناس بعلوم الجاهلية، والإسلام، عالمًا بالأفلاك والهيئة، حاذقًا بالطب والفلسفة، ماهر في الآداب الإسلامية، انظر الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1 م1، ص: 437.

(3) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1، م1، ص: 439

(4) المصدر السابق، ق1، م1، ص 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت