لم يُر أغبن من الجاحظ لنفسه؛ وإن كان واحد البلاغة في عصره، فما باله لم يلتمس بها شرف المنزلة بشرف الصنعة، وقد رأى ابن الزيات وإبراهيم بن العباس بلغا بها ما بلغا، وهو يلتمس فوائدهما والجاه بهما؟ فلا يخلو في هذا إما أن يكون مقصرًا عن الكتابة، وجمع أدواتها، أو يكون ساقط الهمة، أو يكون إفراط جحوظ عينيه قعد به عنها، كما قصر بي أنا فيها ثقل سمعي وبأبي القاسم ورم أنفيه، إذ لا بد للملك من كاتب مقبول الصورة تقع عليها عينه، وأذن ذكية تسمع منه حسه، وأنف نقي لا تذم أنفاسه عند مقاربته له" [1] ."
وما إن حلت الفتن على أرجاء الأندلس، وضربت النكبات والحروب المتوالية صفو الحياة الهانئة، فأتت بالخراب والدمار على جمال الطبيعة، وآذنت بالفساد والضياع، وأحلت الشقاء مكان النعيم والرخاء؛ حتى كان لابن شهيد منها موقفًا نفسيًا، وأدبيًا، وفكريًا بارزًا، خاصة وأنها"قد استمرت .. من سنة 400 حتى سنة 422هـ. ومعنى هذا أن ابن شهيد قد قضى نصف حياته في الفتنة، فعاصر بذلك أهوالها ومصائبها، وهي فترة خطيرة من الزمن بالنسبة له، فقد بدأت وهو في حوالي الثامنة عشرة من عمره، فواكبت شبابه المتفتح ونفسه المنطلقة، ومواهبه التي كانت قد بدأت في الظهور بصورة واضحة" [2] .
فما كان منه إلا"أن يسرع إلى الحكام يسترضيهم، ويواكب كل عهد وعصر كي يبقى على لذته ولهوه" [3] ، وذلك حال الكثير من الشعراء والكتاب في عصر الفتن، والحروب، إذ"أصبح الشعراء مولى كل من تولى سلطة، يمجدون اليوم هذا، ثم يمجدون غدا قاهره" [4] ، وفي خضم ذلك التنقل في المدح والمولاة بين الحكام والولاة والأمراء الغالبين والمنصورين، ظل ابن شهيد يحمل في قرارة نفسه حبًا عميقًا، وصادقًا، وموالاة لا تتغير في الباطن، بتنقل مدحه بين الممدوحين في الظاهر، يخلص فيه لآل العامريين، فقد"كان وفيًا مع آل عامر ويذكرهم بالخير ويعترف لهم بالفضل ولا يزال يَحِنُ إلى عطفهم، ويتطلع إلى شروق شمسهم، التي"
(1) المصدر السابق، ق1 م1، ص: 243. وورم الأنف انتفاخه من الغضب، المعجم الوجيز مادة ورم.
(2) ابن شهيد الأندلسي حياته وأدبه، ص: 33.
(3) المرجع السابق، ص: 34.
(4) تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، د. إحسان عباس، دار الثقافة بيروت، الطبعة الأولى 1960م، ص: 178.