الصفحة 18 من 232

حجبت بين غيوم الفتن والأهوال الجسام" [1] ، لا عجب في ذلك وهو من تربى في كنفهم ودرج في قصورهم وبين أبنائهم واستشعر فترة ملكهم حياة النعيم والرخاء وهو مازال يذكرها طوال حياته ويَحِنُ إليها إذا ما عصفت بقرطبة الفتن والحروب."

يحذوه في ذلك الإخلاص"شعور عميق بأن العامريين وحدهم هم الذين يستطيعون أن يفردوه ويميزوا مكانته بين ذوي الفهوم" [2] ، وكان من أكثر وأبدع قصائده في المدح ما نظمها في مدح عبد العزيز المؤتمن، الذي خرج من قرطبة بعد نشوب الفتن.

وفي خضم تلك الأحداث كان الطموح القديم في الوزارة والسيادة يراوده، ويعن على باله كلما سنحت له الفرصة، فقد تقدم للوزير ابن عباس يذكره بتلك الهبة التي وعده إياها، ويطلب منه إجراءها له، فيقول:"وهذا موضع الحدس لا امتراء، وخليقة النفس لا ادعاء. ووعد الوزير عباس بصرف ضيعة لي بجهة تدمير، حالت الفتن دونها، واضطربت الأحوال عن مطالعتها، وأنا أسأل فضلك سؤال المدل في استنجاز ما وعد، فإنه يعتاض من شكري له وثنائي عليه، وصدعي في المحافل بفضله، أجل فائدة يصطفيها، وأكرم نفيسة يقتنيها."

وأصل اصطفائنا لتلك الضيعة وسائر أخواتها أن المنصور- رضي الله عنه - استعمل أبي عَبْده على تلك الجهة الشرقية تسعة أعوام توالت بتدمير وبلنسية" [3] ."

ومن جانب آخر فإن أحداث تلك الفتنة الظالمة، أثارت موجدة حساده، وأوجدت لمنتقديه كابن الفرضي، وأبو القاسم الإفليلي مرتعًا خصبًا، وثغرًا ينفذون منه إليه، فكثرة الحروب وتعدد الموالاة، وثبات القدرة الأدبية على النظم في المدح والهجاء والغزل، وما يكون مع ذلك من الإسراف في اللهو، والإقبال على الملذات، كانت أسباب تدفعهم لأن يؤلبوا عليه الحكام والولاة، ويوغلوا صدورهم

(1) ابن شهيد الأندلسي حياته وأدبه، ص: 36.

(2) تاريخ الأدب الأندلسي، عصر سيادة قرطبة، ص: 219.

(3) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1، م1، ص: 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت