الصفحة 19 من 232

نحوه، عندها قام معتذرًا للمستعين، حين كانت له السطوة والخلافة، وشكا له من جرائر الحسد والبغض، فقال [1] : -

وقالتِ النَّفسُ لمّا أن خَلوتُ بها ... أشْكُو إلَيْها الهَوى خِلوًا من النَّعم:

حتّام أنت على الضَّرَّاءِ مُضطَجعٌ ... مُعرِّسٌ في ديارِ الظُلْمِ والظُّلَم ِ

وفي السُّرى لك لو أَزْمعتَ مُرْتحلًا ... بُرْءٌ من الشُّوقِ أو بُرْءٌ من العدم

ثم استَمرَّتْ بفَضلِ القَولِ تُنْهِضُني ... فقلت: إني لأسْتَحْيي بني الحكمِ

وسجنه المعتلي بسبب وشاية سُعي بها إليه، وصفها ابن خاقان في قوله:

"ودبت له أيام العلويين عقارب، برئت بها من أباعد وأقارب، واجهه بها صرف قطوب، وانبرت إليه منها خطوب، نبا لها جنبه عن المضجع، وبقي بها يأرق ولا يهجع، إلى أن علقته من الاعتقال حباله، وعقلته في عقال أذهب ماله، فأقام مرتهنًا ولقي وهنًا" [2] ، فكتب قصيدته الدالية يستعطفه بها، ويعتذر إليه، قائلًا [3] : -

قَرِيبٌ بِمُحْتَلِّ الهَوانِ بعِيدُ ... يجُودُ ويَشْكُو حُزْنَهُ فيُجِيدُ

نعى ضُرَّه عِنْد الإمامِ فياله ... عدُوٌ لأبَْنَاءِ الكِرَامِ حسُودُ

وما ضرَّهُ إلا مُزاحٌ ورِقَّةٌ ... ثَنَتْهُ سفيه الذِّكْرِ وهْو رشِيدُ

وما لبث بعدها أن"استقامت أحواله زمن المعتلي، وتوطدت علاقته به بعد أن أطلق سراحه، فمدحه بالعديد من القصائد" [4] ولم يستمر الحال على ما هو عليه، ولم يهنأ ابن شهيد بتلك الصحبة فسرعان ما تنكب حكم المعتلي، وأفل نجمه، فخرج من قرطبة إلى مالقة بعد أن استولى عليها عمه القاسم، ولم يغفل في تلك الآونة صلته بابن شهيد، ولم يتنكر لها، إذ عزم أبو عامر على الخروج معه، وهنا

(1) ديوان ابن شهيد الأندلسي، تحقيق: د. يعقوب زكي، راجعه د. محمود علي مكي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر القاهرة، ص: 151.

(2) مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، تأليف أبو النصر محمد بن خاقان، تحقيق محمد علي شوابكة، دار عمار مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1403هـ، 1983م. ص: 189.

(3) ديوان ابن شهيد الأندلسي، ص: 99.

(4) ديوان ابن شهيد الأندلسي ورسائله، جمع وتحقيق: د. محي الدين ديب، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، صيدا بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ , 1997م، ص 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت