يقف ابن شهيد مرة أخرى مع حبه الخالص لقرطبة، والذي يذكي بسبب منه رغبة المعتلي في العودة إليها.
فبعد خلع القاسم من الحكم، ومبُايعة المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، والذي كان في زمن حكمه - على ضيقه -، فترت المجد الشهيدي الخاص، فقد تولى فيها ابن شهيد - فيما يقارب سبعًا وأربعين يومًا - الوزارة، وهي الفترة مابين تولي المستظهر للخلافة وقتله، من قبل المستكفي، وبعد أن عاد المعتلي لقرطبة، وقتل المستكفي، وبايع بالخلافة هشام المعتد، كان لابن شهيد قصائد مدح متجددة، وولاء متميز لمن أعلى شأنه، وحقق رغبته الدائمة، فقد نال في زمن المعتد الوزارة، وشفى غليل الشاعر من الحساد والمبغضين، وفي ذلك نظم قصيدته التي يغري فيها المعتد بالفقهاء، والنيل منهم، وهي قصيدة كما يقول عنها ابن حيان:"ذميمة المعاني، استهدف بها إلى سفك دماء المسلمين، وجسَّر هشامًا على الفتك بالعالمين" [1] ، وبعد أن خُلع هشام من السلطة، وفُقد معه العزُّ الأموي ضاع كلَّ أمل لابن شهيد في الوزارة، وقد بلغ من العمر آنذاك عتيا.
فبين المدح، والاعتذار، والشكوى، وعلى أنقاض تلك الفتنة، وعلى أطلال النعيم الزائل، وقف ابن شهيد هناك يرثي قرطبة، ويبكي مجد الوطن الضائع، وجمال الطبيعة الخرب،"وقد كانت نكبة قرطبة بمثابة فاجعة كبرى حلت بأبي عامر بن شهيد، لأنها هوت بالمجد العامري، وقضت على أيام السعد والبهجة والرخاء في ظل العامريين، وكانت نشأته لا تقويه على الكفاح والمغامرة، من جديد، لنعومتها ولخوفه الشديد من تقلبات الأيام في المهاجرة؛ فبقي في قرطبة ينظر إلى معاهدها الدارسة في أسى، ويبكي قصورها ومنتزهاتها" [2] ، فكانت له في رثاء قرطبة قصائد مفعمة بالألم، والشعور باليأس، والأسى البالغ، وهي من أقوى قصائده التي نظمها في الرثاء
ومن بين تضاعيف تلك الحياة المتذبذبة بين نعيم الاستقرار، وشقاء الحروب، والمدح الصادق، والتصنع، والشعور الثائر، والنفس الساكنة، كان لابن شهيد
(1) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق3، م1، ص: 521.
(2) ديوان ابن شهيد الأندلسي ورسائله، تحقيق وجمع، د: محي الدين ديب، ص: 29.