أصفيائه، وأخلائه من أبناء عصره، ينادمهم، ويشكو إليهم، ويراسلهم، ويرثيهم، ويتذكرهم في أقصى حالات الذهول عند الإحساس بالموت، والمرض، ومنهم اللمائي، والوزير الجريزي، ومحمد بن حزم الذي توجه إليه بقصيدة مواساة في آخر أيامه.
وبعد أن وضعت الحروب أوزارها، وانطفأت نار الفتن والنكبات، وصل ابن شهيد إلى نهاية المطاف، وحان أجله، فبعد أن بلغ ثلاثًا وأربعين سنة، أصابته علة، كانت له آخر ما يختتم به حياته، فـ"لما طال بأبي عامر ألمه، وتزايد سقمه، وغلب عليه الفالج الذي عرض له في مستهل ذي القعدة سنة خمس وعشرين وأربعمائة، لم يعدمه حركة ولا تقلبًا، وكان يمشي إلى حاجته على عصا مرة، واعتمادًا على إنسان مرة، إلى قبل وفاته بعشرين يومًا، فإنه صار حجرًا لا يبرح ولا يتقلب، ولا يحتمل أن يحرك لعظيم الأوجاع، مع شدة ضغط الأنفاس وعدم الصبر، حتى همَّ بقتل نفسه ... ثم أوصى أن يدفن بجنب صديقه أبي الوليد الزجالي، ويكتب على قبره في لوح رخام هذا النثر والنظم:"
بسم الله الرحمن الرحيم {قُل هو نبأ عظيمُ أنتم عنه معرضون} [سورة ص آية 67 - 68] هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حقّ، وأن النار حقّ، وأن البعث حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. مات وهو في شهر كذا من عام كذا، ويكتب تحت هذا النثر هذا النظم [1] : -
يا صاحِبِي قُمْ فقد أَطَلْنَا ... أَنَحْنُ طُولُ المَدى هُجُودُ؟
فقالَ ليِ: لن نَقُومَ منها ... ما دامَ مِن فَوْقِنا الصَّعِيدُ
تذكُرُ كَمْ لَيْلَةٍ لَهَوْنا ... في ظِلِّهَا والَّزَمَانُ عِيدُ
وكَمْ سُرُورٍ هَمَى علَيْنَا ... سحابة ً ثرّة ً تجُودُ؟
كُلٌّ كأَنْ لم يكُنْ تَقَضَّى ... وشُؤمُه حاضِرٌ عَتِيد ُ
حصَّلَه كاتِبٌ حَفِيظ ٌ ... وضمَّهُ صادِقٌ شَهِيدُ
يا وَيْلَنَا إن تَنَكَّبَتْنَا ... رَحْمَة ُ مَن بَطْشُهُ شَدِيدُ
(1) ديوان ابن شهيد الأندلسي، تحقيق: د. يعقوب زكي، ص: 98.