الصفحة 156 من 232

وإبداع صنعته البيانية، إذ أتى بالمجاز المرسل"أنفاسك"ليدل على أن كلام الكاتب وتعبيراته هي أنفاسه التي تصدر من داخله، وتستمر معها حياته، مما أدى إلى أن يستقيم له توازن الإيقاع الموسيقي في الجناس، بين"الأنفاس، والأنقاس"، والذي يحرص ابن شهيد على استمراره في نسق اللحن الصوتي والجمال الخيالي البديع في التعبير، فيقول:"وحتى يكون مَساقُكَ عَذبًا، وكلامُك رَطْبًا، ونَفَسُك مِنْ نَفْسِك، وقَليبُك من قلبِك"فاستعار لما يسوقه الأديب من بلاغة المعنى، في لين من الكلام بالماء الزلال، طوى ذكر المشبه به وأتى بصفتين من صفاته وهي العذوبة والرطوبة"حتى يكون مساقك عذبًا وكلامك رطبا"على سبيل الاستعارة المكنية؛ ويتواصل نبع الماء في إلهام الكاتب بصفات العذوبة وبيان أسباب الحسن في الكلام، فنجده يشبه الكلام النابع من القلب، والمفعم بالعاطفة، بالماء يخرج من البئر، فكلاهما يقع في النفس موقعًا حسنًا، وتحتاجه العقول والأفئدة وفيه دوام الحياة العقلية والحسية، فادعى أن للكلام قليبًا يستقى منه أعذبه وهو القلب، كما أن للماء قليبًا يستخرج منه الماء. وذلك على طريق الاستعارة المكنية، ثم صور بدقة مصدر ذلك الإبداع الرائق عندما عبر عن الكلام المطبوع الصادر عن موهبة، ومشاعر ذاتية"بالقلب"على سبيل المجاز المرسل بعلاقته المحلية. إذًا فالإيقاع الصوتي في النص هنا قائم بين الجمل المعتدلة القصيرة، فبين"مَساقُكَ عَذبًا، وكلامُك رَطْبًا"ترصيع [1] ، وهو من أبلغ صور السجع لاتفاق عناصر الجملتين في السجع والتقفية، وبين"نََفَسُك، ونَفْسِك"جناس محرف، وبين"قَليبُك، وقلبِك"جناس ناقص [2] لنقصان حرف من أحدى الكلمتين، ومحرف لاختلافه في هيأة أحد الحروف وهو اللام، ويختتم الكاتب نصيحته النقدية بالمقابلة التي عبر فيها عن حسن البلاغة، وصور الفصاحة والبيان، فقال:"وحتى تتناولَ الوضيعَ فترفعَه، والرفيعَ فتضَعَه، والقبيحَ فتحسّنَه"، وفي ذلك تشخيص للبلاغة والفصاحة بواسطة الاستعارة المكنية التي تجعل لهما حياة، وتمكنًا وقدرة على التغيير.

(1) الترصيع، أن يكون في أحد القرينتين من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابلها من الأخرى في الوزن والتقفية، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6 , ص: 107.

(2) الجناس الناقص اختلاف الفاصلتان في أعداد الحروف، المصدر السابق، ج6 , ص: 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت