ومما يجدر التنبه إليه أن جمال البيان عند ابن شهيد هو ما استحسنه الجاحظ في الكلام، إذ يرى أن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان" [1] ."
وفي إطار هذا المستوى الراقي من استخدام الجناس في رسالة"التوابع والزوابع"، يأتي قوله يصف حلوى القبطياء [2] :"ولمحَ القُبَيْطاء، فصاح: بأبي نُقْرةُ الفضّة البيضاء، لا تَرُدُّ عنِ العَضَّة. أبِنارٍ طُبِخَتْ أم بِنُور؟ فإني أراها كقِطَعِ البَلُّور؛ وبلوزٍ عُجِنتْ أم بِجَوز؟ فإني أراها عينَ عَجينِ الموز" [3] .
تتجلى هنا شخصية ابن شهيد الساخرة، والهزلية، وقدرته الفنية البارعة على الوصف والتصوير، فهو يُعرّض بصاحبه الشره وقد استهوته حلوى القبيطاء فاضطرب حاله وتبدلت أحواله، فانبرى لسانه يذكر مزاياها، ويرصد أوصافها منذ مراحل تكوينها، إلى نضجها وعرضها في حانوت البائع، فبدأ بتشبيهها قبل أن تنضج بقطعة الفضة المذابة فهي بيضاء طرية"ولمحَ القُبَيْطاء، فصاح: بأبي نُقْرةُ الفضّة البيضاء"، ثم استفهم متعجبًا من حسنها"أبِنارٍ طُبِخَتْ أم بِنُور؟"وانبهر بصفائها فشبهها بقطعة البلور"فإني أراها كقِطَعِ البَلُّور"، وتعجب من طعمها ولذة مذاقها فكان غاية ما بلغه من الوصف فيها، وبيان ميزتها الخاصة ووقعها المؤثر في النفس باستفهام دار في خلد صاحبه يعكس شعوره المتحير والمتعجب في كنهها"وبلوزٍ عُجِنتْ أم بِجَوز؟"، لكنه ما يلبث أن يقطع هذا التعجب بقوله"إني أراها عينَ عَجين ِ الموز"، فحلاوة الطعم جعلته يراها كأنها تماثل ذلك المذاق الرائق في النفس لعجين الموز، وذلك عن طريق التشبيه البليغ الذي لا يفرق فيه بين الطرفين.
هذا جانب من الجمال في الصورة، والجانب الآخر يتمثل في القيمة الفنية للجناس في النص، وما له من صورة متميزة في أسلوبه وبديعة في سياقه، فهو
(1) يُنظر البيان والتبيين، أبو عثمان بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر، الطبعة الخامسة، 1405هـ، 1985م، ج1، ص: 83.
(2) القبيطاء، الناطف، وهي الحلوى البيضاء التي تؤكل مع السنبوسق، وتعرف بكرابيج حلب، تعليق بطرس البستاني على"رسالة التوابع والزوابع"، ص: 120.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 120.