الصفحة 158 من 232

يتواصل مع الوصف المتدرج لبيان المراحل المتتابعة لتكوين الحلوى، فبين"بنار، وبنور"جناس مضارع [1] ، وكذلك بين"بنور، وبلور"، وبين"بلوز، وبجوز"جناس لآحق، وبين"لوز، وموز"جناس لآحق. فذلك يثير في الصورة لحنًا موسيقيًا متتابعًا ومتصلًا يبني فيه التالي على الأول , ومثلت اللفظة الوسطى في المقطعين حلقت وصل بين أطراف الجناس أوله وآخره، فـ"بنور"ترتبط مع الأولى"بنار"ومع الثانية"بلور"، وكذلك"بجوز"ترتبط مع الأولى"بلوز"، ومع الثانية"موز"، فإليها ينتهي المقطع الأول من موسيقى الصوت، ومنها يبدأ المقطع الثاني، وهذا يشير إلى قدرة ابن شهيد في تسخير اللفظ ليخدم المعنى مع إبداعه في طبعه بأسلوب متميز.

ومما يلحق بهذا النمط من أسلوب الجناس البديعي في الكلام، قوله على لسان بغلة أبي الحسن وهي تتذكر سالف الأيام:"وقالت: سقاهم اللهُ سَبَلَ العهد [2] ، وإن حالوا عن العَهْد [3] ، ونسُوا أيّامَ الوُدّ" [4] .

فهي تدعو للأصحاب بالخير العميم، والنعيم المقيم يأتي به الغيث المتوالي، على الرغم مما صدر عنهم من جفاء وهجر.

فبين"العهد، والعهد"جناس تام [5] ، اتفق فيه الصوت واختلف المعنى والمقصد بينهما، فالعهد في الصوت الأول هو المطر يسقي الأرض، والعهد في الصوت الثاني، هو المواثيق والذكرة، وهذا الأسلوب من الجناس من أبلغ الأساليب التي أشاد بها الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابه أسرار البلاغة، إذا تكمن بلاغته في أنه"قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار"التجنيس""

(1) الجناس المضارع، هو أن تختلف الفاصلتان في أحد الحروف، ويكون الاختلاف متقارب في المخارج، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 96.

(2) العَهْدَةُ مطر بعد مطر، المعجم الوجيز، مادة عَهِدَ.

(3) العهد: العلم، والوصية، المرجع السابق، مادة عهد.

(4) رسالة التوابع والزوابع، ص: 149.

(5) الجناس التام، هو الجناس الذي تتفق الكلمات فيه في أنواع الحروف وعددها، وهيئتها، وترتيبها، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت