وخصوصًا المستوفى منه المتفق في الصورة من حُلى الشعر، ومذكورًا في أقسام البديع" [1] ."
والتماثل التام بين ألفاظ الجناس في النص السابق نُحِسُّ فيه جمال التعبير واستحسان الأداء، لأنه مصدر يثير التناغم الموسيقي المعجب في الكلام والبيان، وإن خلا من التصوير الخيالي - كما في المثال السابق، أو الذي تحلت به الأمثلة الأولى -، فاستحق لهذا أن يمثل المستوى التالي من الأداء الفني للجناس في رسالة"التوابع والزوابع".
ومنه قوله يصف دوحة طرفة بن العبد [2] :"وركَضْنا حتى انتهَينْا إلى غَيضةٍ [3] شجرُها شَجَران: سامٌ [4] يَفوحُ بَهارًا وشِحْرٌ [5] يعْبَقُ هندِيًّا وغارًا [6] ، فرأينا عينًا مَعِينة ً تَسيل، ويدُورُ ماؤها فلَكِيًّا ولا يَحُول [7] " [8] .
فالدوحة التي يقطنها صاحب طرفة بن العبد، يرسم لها ابن شهيد في مخيلته صورة رائعة، حيث الشذى العطر يفوح من جنباتها، ممزوج بعبير أشجار السام والشحر، ويجري في وسطها عين الماء وقد شقت طريقها في أرجاء تلك الدوحة في تنسيق جمالي دائم.
ذلك الجمال البصري المحسوس لهيئة تلك الدوحة، نبه الكاتب إليه وأثار فيه جمالًا حسيًا مسموعًا ظهر في جرس جناس الاشتقاق [9] بين قوله"عينًا معينة"فالعين هي الماء النابع من الأرض، ومعينة أي ظاهرة مما تراها العين تجري
(1) أسرار البلاغة، ص: 8.
(2) (*) هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار من عدنان، واسم طرفة عمر، كنيته أبو عمرو، هو أحدث الشعراء سنًا وأقلهم عمرًا، قتل وهو ابن عشرين، له شعر حسن، قليل النظم، وطرفة شاعر فحل من أعلام الشعر الجاهلي، وأحد شعراء المعلقات، توفي عام 562 م، بالبحرين. يُنظر أشعار الشعراء الستة الجاهليين، اختيارات من الشعر الجاهلي، الجزء الثاني، ص: 5.
(3) الغيضة الموضع يكثر فيه الشجر ويلتف، المعجم الوجيز مادة غاض.
(4) السام: الخيزران، والبهار: نبت طيب الرائحة، ورده أصفر الورق أحمر الوسط، لسان العرب مادة سام، بهر
(5) الشحر: نوع من الشجر طيب الرائحة، لسان العرب مادة شحر.
(6) غار، نوع من الشجر ينبت في سواحل الشام، ذو رائحة عطرة، المعجم الوجيز، مادة غور.
(7) يحول من حال أي دائم لا ينقطع، المرجع السابق، مادة حول.
(8) رسالة التوابع والزوابع، ص: 93.
(9) جناس الاشتقاق هو توافق الكلمتان في الحروف وأصول المعنى، الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 98.