بلاغة الموازنة بين القيمة المعنوية والصوتية: -
إن مراعاة التناغم الصوتي في الوزن البنائي للكلمات بين سياقات التعبير الأدبي، والذي يطرق بأصواته الأسماع، ويستحوذ بترانيمه على الأفئدة والألباب؛ لهو لون بديعي عجيب يصبغ النص الأدبي بصبغة متميزة في الطرح والتناول، فيحيطه بهالة صوتية"يستجمع الكلام بها أسباب الاتصال بين الألفاظ ومعانيها، وبين هذه المعاني وصورها النفسية، فيجري في النفس مجرى الإرادة، ويذهب مذهب العاطفة، وينزل منزلة العلم الباعث على كلتيهما، فإن البيان لا يؤلف أصواتًا لرياضة الصدر بها وصلابة الحلق عليها ولكنه صور نفسية في الطبيعة، وصور طبيعية في النفس" [1] ، لذلك فإن لكل معنى في القول نصيبًا من صياغته اللفظية، وأثرًا حسيًا ومعنويًا من تقسيمات نطقه الصوتية.
ذلك أمر بُهرَ به علماء العربية، والباحثين عن مواطن الجمال في كيانها التعبيري، وكان له عند علماء الإعجاز قدر رفيع ومُهمْ، فهو بلا شك جانب من"روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم، بحيث لو خلا منه لأشبه أن يكون إعجازه صناعيًا عند العرب - إن بقي معجزًا - ولو هم فقدوا هذا المعنى من أكثره أو من أقله، لقد كانوا وجدوا مذهبًا فيه للقول ومساغًا للرد، ولظلوا في مرية منه، ثم لسارت عنهم الأقاويل في معارضته واعتراضه" [2] ، فكأن الصوت المنطوق، لمسة فنية محكمة إذا ما أُبدع استخدامها أتت لتساند المعنى في تصويره، وقدرةٌ تأثيرية خفية إذا ما عبرت عن صدق الموقف حركة المشاعر وبعثت العواطف المتفاعلة مع النص.
و"الموازنة"، لون من ألوان الرسم الصوتي في الكلم، عرَّفه البلاغيون بأن"تكون الفاصلتان متساويتين في الوزن دون التقفية" [3] وحينئذ يأتي التناغم الموسيقي المطلوب في النص ليقتصر على خواتم الفقرات، وفواصل السياقات، وربما يرتقي عندما لا يقتصر التوافق الوزني على الكلمات في الفواصل بل يتعداه إلى أكثر من هذا، حيث يتوالى التردد الصوتي ويظهر التوافق الموسيقي في جلِّ كلماته، فيكون
(1) تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، الطبعة الرابعة، 1394هـ، 1974م، ج2، ص: 220.
(2) المرجع السابق، ص 221.
(3) الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 112.