لونًا أكثر خصوصية في معنى الموازنة، يطلق عليه المماثلة، ويذكرها الخطيب بأن يأتي في"إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابلها من الأخرى في الوزن" [1] ، فهو في إيضاحه إنما ينظر للمماثلة من خلال منظار الموازنة فهي جزء داخل في نطاق مفهوم الموازنة، بل تعتبر عنده أكثر خصوصية في مراعاة تناسب الوزن الصرفي بين كلمات الجمل التعبيرية، إذ التماثل الوزني يعقد بين ألفاظ الجملتين ولا يقتصر على فواصل الفقرات كالموازنة، وفي الإطار نفسه من تحديد مصطلح المماثلة نجد ابن أبي الإصبع المصري في كتابيه"تحرير التحبير، وبديع القرآن"يفرد للموازنة بابًا مستقلًا، ينص فيه على ضرورة اتفاق اللفظين في الوزن دون التقفية، ويضع لها شرطًا يميزها ويبينها عن غيرها من فنون البديع، فأوجب تتابع الألفاظ الموزونة وتماثلها في الصياغة الصرفية دون انفرادها بين الفقرات [2] على حين أطلق الخطيب سبيل ذلك الاصطلاح على كل توازن صوتي في بعض ألفاظ الكلام أو جميعها، سواء توالت فيه الألفاظ، أو تفرقت، وهذا ما ظهر باديًا في كثير من مماثلات ابن شهيد في رسالته"التوابع والزوابع".
والمماثلة أو الموازنة بمفهومها الشامل كما اختار لها الخطيب ذلك، هي كغيرها من فنون البديع اللفظي لا تكتسي حلة الجمال وصفة الإبداع، إلا إذا جاءت عفو الخاطر، مطاوعة للمعنى، بسيطة التركيب والطلب، لا تُكد من أجلها القرائح،
(1) المصدر السابق، ص: 113.
(2) يُنظر ذلك في (تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن) لابن أبي الإصبع المصري، تحقيق: د. حفني محمد شرف، الجمهورية العربية المتحدة لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1383هـ، ص: 297. و (بديع القرآن) لابن أبي الإصبع المصري، تحقيق: د. حفني محمد شرف، نهضة مصر للطباعة والنشر، ص: 107، وهنا في تحديد مفهوم الموازنة والمماثلة عند ابن شهيد، وحرصت على الاعتماد فيها على كتاب الإيضاح للخطيب القزويني، بتحقق د. محمد عبد المنعم خفاجي، إذ وجدت في منهج ابن أبي الإصبع عند تحديد مفهومها نوعًا من الاختلاف، والتباين، فهي في التحرير تعني تماثل ألفاظ الكلام أو بعضها في الزِّنة دون التقفية، وقد اشترط فيها توالي الكلمات المستويات في المماثلة، وفي بديع القران تأتي بمعنيين إما تماثل ألفاظ الكلام كلها أو بعضها في الزنة دون التقفية، أو تماثل الألفاظ في المعنى مع اختلاف اللفظ، مع ضرورة تذكر أن بديع القرآن قد ألف بعد التحرير والتحبير، وهذا إنما يُظهر تردد ابن أبي الإصبع في تحديد مصطلح المماثلة، إذ يحتم عليه بعد التحري أن يكون قد اتضحت لديه المفاهيم وتحددت وذلك مالا أجده في بديع القرآن. ثم إن الخطيب قد أطلق هذا المصطلح دون شرط، وهو ما يتناسب مع ما وجدته في مواضع الموازنة في رسالة التوابع والزوابع، وقد أسماها ابن شهيد مماثلة، يُنظر ص: 117 من رسالة التوابع والزوابع، وج 6، ص: 112، من الإيضاح في علوم البلاغة.