الصفحة 166 من 232

ولا يتوعر بسببها الكلام، ولا تستغلق حولها المعاني، عندها تكون مزية ً من مزايا الفضل، ودليلًا من دلائل علو كعب البيان، وقصب سبق الإحسان في البلاغة والفصاحة، وقد تبلغ أقصى غايات الجمال إذا ما امتزجت بغيرها من ألوان البديع اللفظي كالسجع والجناس، والمبالغة، أو جاءت في صور بيانية مخترعة ومتميزة، كالتشبيه والاستعارة، والكناية، والمجاز، والتي يعتمد جمالها وقيمتها الفنية على ما يكون بينها من تناسب يؤثر في عرض المعنى يجده الشاعر خفيًا فيبينه، أو ظاهرًا فينبه إليه أذهان السامعين والقراء.

صيغ الموازنة في رسالة"التوابع والزوابع": -

لقد صرح أبو عامر الأندلسي في تضاعيف رسالته"التوابع والزوابع"بميله النفسي لاستخدام هذا اللون الصوتي من البديع اللفظي، عند تعليله لتابعي الجاحظ وعبد الحميد عن سبب اتخاذها شرعة ومنهاجًا يركن إليها أحيانًا في كتاباته النثرية، فيقول:"فقلت ُ: في نفسي: قرعَكَ، باللهِ، بقارعَتِه، وجاءك بمُماثَلَته. ثم قلت له: ليسَ هذا، أعزَّ ك الله، منّي جَهلًا بأمرِ السّجع، وما في المماثَلة والمقابَلةِ من فَضْل، ولكنّي عدِمتُ ببلَدي فُرْسانَ الكلام، ودُهيتُ بغباوةِ أهل الزمان" [1] .

فالمماثلة والموازنة في عرفه النقدي كأديب وناقد وبلاغي، فن لفظي أحرى بأن يثار عندما يجد تناسبًا مع أذواق المستمع والمتلقي، وينسجم مع أهوائه وحالته النفسية والعقلية، فهو حينئذ يؤدي واجبه إذ يبعث في ذاته شعور الانتماء الأدبي، ويوقظ فيه الحس الفني المتذوق، والمميز لشتى أنواع الكلام ومقدار بلاغته، وهو على ذلك الأثر العام إنما يمثل لدى ابن شهيد عاملًا فعّالًا في قيمة أدبه ونتاجه خاصة إذا ما جاء في زمن قد استحوذت فيه الملاهي على عقول أبنائه، وشغلت الهموم والنكبات أفئدة شيوخه وعلمائه، كزمن الفتنة والنكبة الذي عاصره أبو عامر، فتمثل له ذلك العرض الصوتي طوق النجاة للإبداع الفني والأدبي، حين كان يرى في السمع وسيلة مهمة وممنوحة لاستقطاب العقول والأفئدة، إلى كثير من نصوص رسالته الفنية بما يبثه فيها من إيقاع صوتي وموسيقي مترنم، يسترعي الانتباه،

(1) رسالة"التوابع والزوابع"، ص: 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت