الصفحة 167 من 232

ويجذب النفوس مما يوفر للمتلقي عنصر التشويق والإعجاب، في أسلوب مكلل بالتنغيم الصوتي واللحن الموسيقي الملفوظ والمسموع، في ذات الوقت الذي يحمل في طياته أفكارًا ومعاني جوهرية، هي في رسالة"التوابع والزوابع"ركيزة أساسية ومهمة عند ابن شهيد إذ يثبت فيها بالغ تفوقه الأدبي وقدرته البيانية والتعبيرية، وتمثل له شهادة موثقة يدفع بها لصد اتهامات حساده له بالضعف والتخاذل عن خوض غمار الفصاحة والبيان، وابن شهيد في التماسه لذلك اللون إنما يدور في إطار ما اصطلح عليه علماء البلاغة العربية، في تحديد مفهوم الموازنة والمماثلة إذ يراعى فيها الوزن الصوتي والصرفي بين الكلمات دون التقفية، والتي ربما أتت في بعض نصوصه طيعة وسلسة في الكلام [1] .

وإذا كان ابن أبي الإصبع قد اشترط للمماثلة التوالي، في الألفاظ الموزونة، ولم يقيدها الخطيب بشرط أو قيد، فإن ابن شهيد وهو المتقدم عليهما، قد تناول المماثلة والموازنة بهيئتيها عند ابن أبي الإصبع، والخطيب، فهي مفردة ومتناثرة بين الفقرات تارة، ومتوالية مترادفة بين الفقرات تارة أخرى.

وأبو عامر في الموازنة، أو المماثلة كما يسميها يترك للمعنى التعبيري حرية انتقاء الألفاظ والصياغات الفنية بما يتناسب والمضمون المعنوي، ويكفل له البيان والوضوح، في صورة بليغة وجمالية؛ وإذا ما عرفنا أن تلك المعاني إنما تأتي خاضعة لتلبية أغراض الكاتب الشخصية وانعكاسًا لانفعالاته النفسية، وتصوراته الخيالية، نستطيع وضع اليد على أهم أسباب التباين في مستوياتها الأدائية والفنية في العرض والتواجد، وما نتج عنه من اختلاف في مستويات إيقاعها الصوتي وتناغمها الموسيقي في أذن السامع والقارئ، ومدى ما تتركه من أثر على تلك الأساليب التعبيرية من حيث القبول والرد.

وذلك ما يتضح من خلال الأمثلة التالية التي وجدت فيها أن مستويات أداء المماثلة عند ابن شهيد لا تلزم مسارًا موحدًا، سواء في السياق، أو الصياغة، أو الألفاظ.

(1) عاش ابن شهيد في القرن الخامس الهجري (426) ، وابن أبي الإصبع في القرن السابع (654) والخطيب في القرن الثامن (739) وبذلك لم يكن توازن الكلمات في التعبير فنًا اصطلح على تسميته بالموازنة، فعبر عنه ابن شهيد بالمماثلة كما في النص الذي ورد في رسالته"التوابع والزوابع"، ص: 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت