فأقوى مستوياتها الفنية في التعبير حين تأتي خاتمة القول، والحجة منه خاصة، فتأتي آنذاك وقد تلبست بطائفة من الصور البيانية التي يزداد معها المعنى قوة وعمقًا، كما يتضح من سياق حديثه مع الإوزة، والتي تتكلم على لسان شيخ من شيوخ النحو في عصره يقول لها:"وبالجدَ لِ تطلُبِيننا وقد عقَدنا سَلْمه، وكُفينا حَرْبَه، وإن ما رَمَيَتُكِ به منه لأنفذ ُ سِهامِه، وأحَدُّ حِرابه" [1] .
ينافح الكاتب في وجه تلك الإوزة عن مقدرته البيانية، وجودة قريحته في التعبير والتحبير، حين تفاجئه بنفي درايته بأساليب الجدل في الكلام، على إثر جوابه عن استفهام استفزازي صدر عنها أثار حفيظته الفنية، قال:"فقالت: أيّها الغارُّ المغرور، كيف تحكُم في الفروع ِ وأنت لا تُحْكِمُ الأصول؟ ما الذي تُحْسِن؟ قلتُ: ارتجالَ شِعر، واقتضابَ خُطبة، على حُكْم المقْتَرَح والنُّصْبة [2] ، قالت: ليسَ عن هذا أسالُك. قلت: ولا بغيرِ هذا أُجاوبُك. قالت: حُكم الجوابِ أن يقَعَ على أصل السؤال، وأنا إنما أردتُ بذلك إحسانَ النّحوِ والغريبِ اللذَين هما أصلُ الكلام، ومادَّة ُ البيان. قلت: لا جوابَ غير ما سمعت. قالت: أُقسِم أنَّ هذا منك غيرُ داخلٍ في باب الجَدَل. قلت: وبالجدَلِ تطلُبِيننا وقد عقَدنا سَلْمه، وكُفينا حَرْبَه، وإن ما رَمَيَتُكِ به منه لأنفذُ سِهامِه، وأحَدُّ حِرابه" [3] .
فقد أراد الكاتب أن يبرهن على علمه بالنحو والغريب، حين أشاد بقدرته في قرض الشعر وصوغ النثر، وهو في جوابه ذلك إنما يشير إلى مواطن استخدام ذلك العلم، الأمر الذي ترفض الاقتناع به الإوزة إذ تريد بيان حدود ما يعرفه من أصول النحو وما يحسنه من قواعد الغريب، وباقتصار جوابه على معرفة الشعر والنثر، كان قد أتى بغير الجواب المراد [4] ، فدخل في باب الجدل. الذي هو عنده ركيزة أساسية من ركائز بناء التعبير الشعري والنثري.
(1) رسالة التوابع والزوابع، ص: 151.
(2) النصبة السارية المنصوبة علامة في الطريق، والمراد هنا ما يشار به من رأي لا يعدل عنه، يقال: نصبت له رأيًا، تعليق بطرس البستاني"رسالة التوابع والزوابع"، ص: 151.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 151.
(4) ويسمى هذا بالأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيهًا على أنه الأولى بالقصد، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج2، ص: 94.