الصفحة 169 من 232

فالمماثلة والموازنة في المثال السابق تأتي بعد انقضاء القول، وكأنما يرفع الناثر بها صوته لينبه القارئ والإوزة معًا على مدى طلاقة لسانه بالجدل، ويستغرب تهمة نفي علمه بقوانينه وأصوله، ويتصدى فيها للتحدي الذي أثارته الإوزة في مقابلته لها،"وبالجدَلِ تطلُبِيننا وقد عقَدنا سَلْمه، وكُفينا حَرْبَه، وإن ما رَمَيَتُكِ به منه لأنفذُ سِهامِه، وأحَدُّ حِرابه"، فتنقضي الجملة الأولى عند تصريحه بتفوقه في قوله"وقد عقَدنا سَلْمه، وكُفينا حَرْبَه"، إذ تظهر الموازنة بين"سلمه، وحربه"وذلك مما يجعل تلك الحجة القولية ترن في أذن السامع حتى بعد انقضاء القول، مما يضمن لها الثبات في الذهن، والتأكيد على معناها.

كما نجده أيضًا في الجملة الثانية التي يكون انقضاؤها عند المماثلة في قوله:"لأنفذُ سِهامِه، وأحَدُّ حِرابه"، فبين"أنفذ، وأحد"، وبين"سهام، وحراب"مماثلة، وبينهما موازنة أيضًا.

ومما يثري المعنى ويعمق التعبير عن المضمون، أن تأتي المماثلة والموازنة في المعاني المصورة، والتي أجاد ابن شهيد توظيفها في النص هنا، فشبه حاله وقد سيطر على النحو وانقاد له الغريب طوعًا في الكلام، بحال من يخوض منازعة حربية يصل فيها إلى اتقاء الحرب وعقد الصلح والتسليم، والشهادة بالتفوق والقدرة للأقوى، والذي تتمثل هنا في شخص الكاتب، وقد طوى ذكر المشبه واستعار الصورة الدالة على المشبه به في"عقدنا سلمه، وكفينا حربه"على سبيل الاستعارة التمثيلية، كما يظهر ذلك الإبداع أيضًا في قوله:"أنفذ سهامه، وأحد حرابه"إذ جعل الشعر أنفذ سهام الجدل، وجعل النثر أحد حرابه على سبيل الاستعارة التصريحية التي طُوىَ فيها ذكر المشبه، والكاتب في تصويره ذلك إنما يشير إلى قوة ما يصدر عنه من شعر ونثر، والذي يمثل في الأدب من أحد الحراب وأنفذ السهام، ولا شك أن الموازنة والمماثلة تدعمان الصورة بما فيهما من إيقاع يوحي بقوة الإحساس بالمعنى، والكاتب متميز بين الكتاب فهو يتمتع بسبب علمه بهما بقوة بيانية تضمن له انقياد التعبير وإحكام النحو دون تكلف أو تصنع.

وهذا النهج المتميز في تصوير البراعة والبلاغة التي يجدها الكاتب في نفسه، والذي تعلو فيه الصبغة البديعية في خاتمة الكلام لتتضمن تأكيدًا صوتيًا على قدرته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت