وبلاغته الفنية، لا نجده يظهر كثيرًا في نصوص"التوابع والزوابع"، بل قلما يخوض في سبيله الكاتب، وذلك إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على سماحة نفسه في التعبير، وقدرته على الفصاحة في التعبير، فهو لا يلوي عنق النص ولا يثقل كاهل المعنى بما يأتي به متكلفًا من ألوان البديع في الكلام.
ومن هذا المستوى الرفيع في الأداء البديعي للمماثلة والموازنة، قوله يصف وادي امرئ القيس بن حجر [1] ، وقد قصده بصحبة تابعه زهير بن نمير، يقول:"قال: فمَن تُريدُ منهم؟. قلت: صاحبَ امرئ القَيْس. فأمالَ العِنانَ إلى وادٍ منَ الأوديةٍ ذي دَوح ٍ تتكسّرُ أشجارُه، وتترنّّم أطيارُه" [2] .
وهنا نلمح دقة الاختيار النغمي في الكلام والذي يكشف عن إجلال وتفضيل الكاتب لامرئ القيس وما يكون منه من فنِّ بليغ، وطرح بديع، فبين"تتكسر، وتترنم"مماثلة، وكذلك بين"أشجاره، وأطياره"، كما أن بينهما سجعًا متوازيًا، وتبرز قيمة تكرار حرف الراء في الألفاظ"تتكسر أشجاره، وتترنم أطياره"، حيث تشيع جوًا من الانسجام المعنوي، والترنم الصوتي الحسي، الذي يوحي باتصال الوزن والنغم في السياق بين الألفاظ دون انقطاع مما يوهم أن جميعها قد بنيت من مادة صوتية واحدة، وأتت لتعرض معنى لصورة كاملة لا تنفصل ولا تتجزأ عناصرها، فتكرارها يشير إلى تكرار وتردد ذلك التكسر والتمايل من الأشجار ودوام ذلك الترنم من الأطيار، يدعمه في ذلك الغرض السجع وشبه الجناس الذي أتى عرضًا في النظم، في قوله:"أشجاره، وأطياره"مما أسهم في رسم صورة متميزة لتلك الدوحة الغناء , الأمر الذي يتناسب مع ما يجده الكاتب في نفسه تجاه امرئ القيس بن حجر وما له من مكانة شعرية وقدرة فنية بارعة في الاختراع الفني والتصوير البياني المتميز.
(1) (*) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندي من كندة، نشأ في نجد من سليل كندة باليمن، نشأة مترفة لاهية عرف بمجونه، وقدرته على قول الشعر، قال الشعر في حداثة سنه، وكان جزل الألفاظ كثير الغريب جيد السبك سريع الخاطر بديع الخيال، بليغ التشبيه، وهو زعيم الجاهلية في الشعر، وحامل لواء الشعراء إلى النار، توفي سنة 560م، بعد أن تقرح جسمه بسبب حلة مسمومة أهداه إليها كسرى، يُنظر أشعار الشعراء الستة الجاهلين، اختيارات من الشعر الجاهلي، ج1، ص: 5.
(2) رسالة التوابع والزوابع، ص: 91.