الصفحة 171 من 232

ومما يلحق بهذا المستوى الراقي لأداء الموازنة، ويظهر فيه الفكر الإبداعي لابن شهيد في مراعاة النغم الصوتي للكلام، والحفاظ على التوازن الموسيقي للنص، أن يتدرج في التعبير والاستخدام من الموازنة إلى المماثلة [1] ، كقوله يصف شرهًا:"فلمّا التَقَمَ جُمْلة َ جماهيرِها، وأتى على مآخِيرِها، ووصَل خَوَرْ نَقها بسَديرِها [2] ، تَجَشّأ [3] فهَبّت منه ريحٌ عَقيم [4] ، أيْقَنّا لها بالعَذابِ الأليم. فنَثرَتْنا شَذ َرَ مَذَر [5] , وفرَّ قتْنا شَغَرَ بَغَر. [6] ، فالتَمَحْنا منه الظَّرِبان [7] ، وصدَّق الخَبَرَ فيه العِيانُ، نَفَحَ [8] ذلك فشَرَّد الأنعام، ونَفَخ [9] هذا فبَدَّد الأنام، فلم نَجْتَمِع، بعدَها، والسّلام." [10] .

فقد أخذ الكاتب من صاحبه الشره النهم موقفًا مليئًا بالتندر والسخرية وهو يأكل، وذلك على غرار ما ورد في كتاب البخلاء عند الجاحظ، إذ وجد أن شبعه نذير شؤم عليهم، ظهرت بوادره حين تجشأ ففرق جمعهم، وشتت شملهم، إذ هبت منه ريح عقيم لا خير فيها ولا نعيم، فحملت لهم ألوانًا من العذاب الأليم، فنثرتهم"شذر مذر"وفرقتهم"شغر بغر"، وصَدَقَ في وصفه الخبر، فهيئته ورائحته أشبه بحال الضربان، فكليهما وجه لأسباب التقزز والتشرد والضياع من الرائحة النتنة، على وجود المفارقة في ذلك، فرائحة الضربان للأنعام، ورائحة التجشأ طاردة للأنام والأنعام معًا.

(1) وذلك وفقًا لمفهوم الموازنة والمماثلة عند الخطيب القزويني ج6، ص: 112، ويُنظر ص: 152 من الدراسة.

(2) الخورنق قصر للنعمان بالحيرة، والسدير قصر آخر بالحيرة، لسان لعرب مادة: خورنق، وسدر.

(3) الجُشاء: صوت يخرج من الفم عند امتلاء المعدة، المعجم الوجيز، مادة جشأ.

(4) ريح عقيم: أي لا تلقح سحابًا ولا شجرًا،"التوابع والزوابع"، ص: 122.

(5) يُقال تفرقوا شذر مذر، أي ذهبوا مذاهب شتى مختلفين، وشذر قطع من الذهب يلقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، والشذر صغار الؤلؤ لسان العرب مادة شذر.

(6) شغر بغر، أي فرقتنا في كل وجه، والشغر التفرقة وتفرقت شغرت، المصدر السابق مادة شغر.

(7) الظربان حيوان أصغر من السنور، أصلم الأذنان، مجتمع الرأس، طويل الخطم، قصير القوائم منتن الرائحة، المعجم الوجيز، مادة ظربان.

(8) نفحت الريح إذ هبت، ونفحت الدابة ضربته بحد حافرها، لسان العرب مادة نفح.

(9) النفخ، من نفخ بفيه أخرج منه الهواء، المعجم الوجيز، مادة نفخ.

(10) رسالة التوابع والزوابع، ص: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت