الصفحة 172 من 232

إن العبارة السابقة على ما فيها من صورة هازئة ساخرة، فهي تأتي في قالب موسيقي مثير، يعتمد فيه الكاتب على ألوان متعددة من البديع اللفظي، أبرزها السجع المتوازي في فواصل الجمل التي تبتدئ بها الأخبار"تجَشّأ، فهَبّت منه ريحٌ عَقيم، أيْقَنّا لها بالعَذابِ الأليم"، وقوله"فالتَمَحْنا منه الظَّرِبان، وصدَّق الخَبَرَ فيه العِيانُ".

فبين"عقيم، وأليم"موازنة، وبينهما سجع في الياء والميم، وبين"الضربان، والعيان"موازنة، وبينهما سجع أيضًا في الألف والنون، وإن أبرز ما يمكن أن نلاحظه هنا أن كلا الموازنتين تأتي في صدارة الأخبار كما أسلفت حيث يبدئ التصوير والعرض بتدرج موسيقي يتناسب والتدرج في عرض الخبر، والذي يعلو ويشتد في اجتماع المماثلة والموازنة في الجمل التصويرية بعدها، وذلك في قوله:"فنَثرَتْنا شَذَرَ مَذ َر، وفرَّقتْنا شَغَرَ بَغَر". فبين"نثرتنا، وفرقتنا"موازنة، فكلاهما فواصل في الجمل، وبين"شذر مذر، وشغر بغر"مماثلة، وهنا نجد شرط ابن أبي الإصبع في توالي المماثلة قد تحقق في"شذر مذر"و"شغر بغر"، كما تحقق مصطلح الخطيب فأتت بعض الألفاظ، أو أكثرها بين الجمل متماثلة مع بعضها"فنَثرَتْنا شَذ َرَ مَذَر، وفرَّقتْنا شَغَرَ بَغَر"، يضاف إلى تلك الميزة وجود السجع بين الكلمات في حرف الراء، وما له من أثر فني وموسيقي يسمح بتكرار الصوت الذي يتكرر معه المعنى المتوارد على السمع والفهم، فيثير نوعًا من تردد الصوت الذي يتناسب وحالة التشرد والتبدد والتفريق والنثر المتكرر.

وكذلك في قوله:"نَفَحَ ذلك فشَرَّد الأنعام، ونَفَخ هذا فبَدَّد الأنام، فلم نَجْتَمِع، بعدَها، والسّلام".

فبين"نفح، ونفخ"مماثلة، كما أن بينهما جناس مصحف [1] يوهم تكرار المعنى بتكرار اللفظ قبل الانتهاء إلى آخره، لنجد فيه"طلوع الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال" [2] ، وهو من أقوى العلل في استجلاب الفضيلة للكلام، وبين"شرَّد، وبدَّد"مماثلة، وبين

(1) الجناس المصحف ما تماثل فيه اللفظان في الخط واختلفا في النقط، البديع في ضوء أساليب القرآن، ص: 161.

(2) أسرار البلاغة، ص: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت