"أنعام، وأنام"جناس ناقص قليل التأثير في إحداث الوقع الموسيقي على الأذن وذلك لكثرة تردده وشيوعه على الأسماع، وربما أجاد الكاتب إذ أتى به هنا ليستقيم له الوقع الموسيقي في الكلام دون إخلال بالمعنى والسياق، ولكي يضمن مع ذلك استمرارية التأثير الفني، والصوتي، فكأنه بالسجع إنما يعوض ما ظهر من قصور في صوت الموازنة بين الكلمات"الأنعام، والأنام، والسلام"فهي ليست على وزن واحد وإن تقاربت في الصوت والنغم.
وتلك الموسيقى الصوتية، في الموازنة والسجع التي يستخدمها الكاتب إنما تنسجم مع ما يثيره السياق من صور السخرية، والتندر، مما يكون معها تناغمًا صوتيًا يناسب التناغم النفسي في المرح، والضحك.
ويساند المعنى الساخر في هذا السياق ويعلي من قيمته البلاغية الاقتباس في وصف قوة وضرر تلك الريح النتنة عليهم"فهبت منه ريح عقيم"وذلك من قوله تعالى في وصف عذاب قوم عاد قال تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ 41} مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالْرَّمِيمِ [سورة الذاريات الآيات 41، 42] ، ثم أن جاءت الموازنة والمماثلة في سياق المعاني المصورة، كالاستعارة التمثيلية التي شاعت حتى صارت مثلًا، ففي قوله"فنَثرَتْنا شَذَرَ مَذَر وفرَّقتْنا شَغَرَ بَغَر"شبه حالة تفرقهم وانتشارهم على غير ترتيب ونظام بحالة نثر اللؤلؤ الصغار منه خاصة، في كل وجه وعلى مسافات متباعدة، طوى ذكر المشبه واستعار له الهيئة والصورة الدالة عليه، لتمام التماثل والتشابه بينهما في حالة الضياع والتفريق؛ والتشبيه الضمني في قوله:"فالتَمَحْنا منه الظَّرِبان"، إذ يتضمن تشبيه هذا الشخص بالضربان في نتن الرائحة"وهو تشبيه مثير للاشمئزاز من ذلك المتجشئ، ولا شك أن التصوير يزيد من تأثير الإيقاع، والإيقاع يزيد من قوى التصوير، فبينهما تأثير متبادل وتآزر وتعاون في إيراد المعنى" [1] .
ومما يبرزه السياق هنا تداخل الألوان البديعية وتنوعها، فكان مظهرًا من مظاهر الجمال الذي يتحرى الكاتب فيه الطبع والسجية، كما تسهم تلك الألوان بشكل كبير في إيضاح المعنى والتعبير عنه دون تكلف أو قلق في النطق والفهم.
(1) من توجيهات الدكتور المشرف.