ومما يماثل ذلك حيث يسعي الكاتب في المحافظة على نسق الإيقاع الصوتي للموازنة في السياق بين الكلمات، فيأتي بالسجع بعد المماثلة، يقول:"فألّف بين قَمَريِها، ونظَم فَرقَدَيها، فكلّما رأى ثَغرًا سَدَّه بسُهاها [1] ، أو لَمح خَرقًا رَمَّه [2] بزُباناها [3] " [4] .
فهو يفخر بقدرته على الجمع بين الفصاحة والبلاغة، وطول يده على النيل من أعالي النظم والتأليف، فكأنه هو الذي يرأب صدع اللغة في عصره، ويبني سدها العالي الذي يحميها من السقوط للهاوية؛ والمماثلة وفقًا لما اصطلح عليه الخطيب، تظهر متتابعة للنهاية في الفقرتين بين عدة ألفاظ منها"لمح، ورأى"على وزن واحد، وكذلك"ثغرًا، وخرقًا"، و"سدَّ، ورمَّ"، فالمماثلة جاءت في معرض جميل متناسب للصوت ومتناغم في الوقع، يعقبها السجع في فواصل الجمل السابقة"قمريها، وفرقديها"لتكون الخاتمة في الظن الخفي والتساؤل المتعجب الحدسي في أقوى أصواته إيقاعًا وموسيقي، حيث يتردد الوزن والوقع في الجملة الأخيرة"فألّف بين قَمَريِها، ونظَم فَرقَدَيها، فكلّما رأى ثَغرًا سَدَّه بسُهاها، أو لَمح خَرقًا رَمَّه بزُباناها"لينبه إلى تلك القدرة البيانية والبلاغية العظيمة بحيث يحق لها أن تذكر إلى جانب الأفلاك؛ ويختتم بالسجع بين"سهاها، وزباناها"، والنص هنا كسابقه حرص فيه الكاتب على أن تأتي المماثلة في معرض المعاني المصورة، وذلك حيث الاستعارة التمثيلية في قوله"رأى ثَغرًا سَدَّه بسُهاها"إذ شبه حال قصور أبناء عصره عن مجارة الإبداع الأدبي في العصور السالفة، في مقابل ما يجده من قدرة بيانية على تدارك ذلك القصور، بحال ظهور ثغر بين أفلاك السماء وقد سده وأكمله نجم السها العالي، طوى معنى المشبه واستعيرت له صورة المشبه به على سبيل الاستعارة التمثيلية، وهي صورة تعكس إحساسه المرتقي بأدبه وشعره وأنه قد بلغ عنان السماء، وكذلك في قوله:"لَمح خَرقًا"
(1) السهى كوكب خفي من بنات نعش الصغرى، مجاور للقطب، وكان العرب يمتحنون به أبصارهم لخفائه. يُنظر المعجم الوجيز مادة سها.
(2) رمه: أصلحه، المرجع السابق، مادة رمَّ.
(3) الزباني واحد الزبانيين، وهما كوكبان نيران في قرني برج العقرب معترضان بين الشمال والجنوب، بينهما قيد رمح ينزلها العقرب في الليلة السابعة عشرة. تعليق بطرس البستاني على رسالة"التوابع والزوابع"، ص: 81.
(4) رسالة التوابع والزوابع، ص: 81.