رَمَّه بزُباناها"فشبه الهيئة الحاصلة من تدني مستوى الأدب وسوء التأليف في عصره، وما كان منه هو من بلاغة وبيان في تحسين تلك الحال وتجويد الإبداع الأندلسي في تلك الحقبة، بالهيئة الحاصلة من وجود خرق وجفوة بين كواكب السماء، وقد رممها وأصلح نظمها كوكب الزباني، ثم طوى المعنى المشبه واستعار له صورة المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية التمثيلية، التي تعكس عمق إحساسه بمكانته الأدبية بين أبناء عصره."
وهذا التعبير على ما تضمنه من مماثلة، وما تكلل به من صور بيانية، إلا أنه جاء أقل بلاغة وتأثيرًا، من الصورة السابقة التي وردت، في قوله:"فلمّا التَقَمَ جُمْلة َجماهيرِها، وأتى على مآخِيرِها، ووصَل خَوَرْنَقها بسَديرِها، تَجَشّأ فهَبّت منه ريحٌ عَقيم، أيْقَنّا لها بالعَذابِ الأليم فنَثرَتْنا شَذَرَ مَذَر , وفرَّقتْنا شَغَرَ بَغَر، فالتَمَحْنا منه الظَّرِبان، وصدَّق الخَبَرَ فيه العِيانُ، نَفَحَ ذلك فشَرَّد الأنعام، ونَفَخ هذا فبَدَّد الأنام، فلم نَجْتَمِع، بعدَها، والسّلام".
حيث استطاع الكاتب أن يجمع فيها بين أسلوب الموازنة والمماثلة، في سياق اعتمد فيه على التصوير البياني، ذلك ما لا نجده في المثال هنا، حيث اقتصر على المماثلة دون الموازنة، مع حرصه على حضور التصوير البياني والإستعاري منه خاصة في السياق.
وينخفض الإيقاع الصوتي في التعبير إلى حد ما، على الرغم من مراعاة المماثلة والموازنة في الكلام، والاعتماد على ألوان التصوير البياني في عرض المعاني، كقوله يندد بمعاصريه"فقال: أهذا على تلك المناظر، وكِبَرِ تلك المَحابر، وكمال تلك الطيالِس [1] ؟. قلتُ: نعم، إنّها لِحاء الشجر، وليس ثَمَّ ثَمَرٌ ولا عَبَق [2] " [3] .
فحديثه الماضي إنما يبين فيه عن حال أبناء عصره، وما ظهر فيهم من الشعور بالتباهي والتفاخر بكثرة الكتابة والتحبير، مع سوء العرض ورداءة
(1) الطيلس مفرده طيلسان وهو نوع من لباس العجم، المصباح المنير مادة طلس.
(2) العبق هو الرائحة الطيبة الذكية، المرجع السابق، مادة عبق.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 117.