الصفحة 176 من 232

التعبير، وقد صاغ ذلك المعنى في سياق موسيقي وتصويري خيالي،"إنما انخفض الإحساس بالنغم في هذا المثال إلى حد ما لعدم اكتمال السجعة في الجملة الثالثة التي تمثل نهاية كل فقرة من الفقرتين فـ"الطيالس"تمثل نزولًا في النغم بعد"المناظر، والمحابر"و"العبق"تمثل هبوطًا في النغم بعد"شجر، وثمر"ولو أنه قال مثلًا:"إنها لحاء الشجر، وليس ثم عبق، ولا ثمر"لحدثت السجعة وكان الإحساس بالنغم أفضل، ومع ذلك فإن هذا لا يعني انتفاء ذلك النغم تمامًا، وإنما يتحقق تحققًا ما في المماثلة والموازنة" [1] في مواضع منفصلة من التعبير، فبين"المناظر، والمحابر"موازنة، وكذلك بين"الشجر، والثمر، والعبق"مماثلة، فهو يتبع في ذلك منهج ابن أبي الإصبع في شرطه للمماثلة بضرورة توالي الألفاظ الموزونة، ويبالغ في استهزائه من الحالة المزرية التي وصف بها معاصريه، ويصف عمق ما يجده تجاههم من حسرة، وندم على حجم الضياع الفكري والمعنوي الذي يرفلون فيه، فهو وصف يعرض لتلك الحالة في صورة بيانية تمثيلية، إذ شبه حالهم في جمال مناظرهم، وتعدد كتبهم وتنوع نظمهم، وحسن مكانتهم وعلو منازلهم في المجتمع، مع سوء المخبر والمضمون، في الفكر، والنفس والذي كشف عنه تشبيه رداءة نتاجهم الفني، بلحاء الشجر، الذي يغطى الأشجار ويحميها، مع أنه يفتقر لأبسط مظاهر الحياة والخير"وليس ثم ثمر ولا عبق".

فالموازنة المتتابعة في فواصل الجمل إنما تُقطع وتصدم بالقصور الصوتي عند قوله:"طيالس"التي يختلف فيها الوزن عن الأوزان في"مناظر، ومحابر"، والتي تطول فيها الجملة فيخف معها الإيقاع الموسيقى على الأذن، ليعاود الظهور في المماثلة في قوله:"لحاء الشجر، وليس ثم ثمر ولا عبق"، والسجع المفصول بين"الشجر، والثمر". وهذا مستوى في التعبير أقل تأثيرًا وبلاغة بديعية من المستوى السابق، حيث الإيقاع الصوتي المتذبذب في السياق كان سببًا في تباين وقعه على السمع والوجدان.

وأقل من ذلك قيمة فنية وبلاغية عندما يتكلف الكاتب المماثلة والسجع، ويتحرى توالي الألفاظ، كما في قوله يصف حلوى الخبيص [2] :"ورأى الخَبِيصَ"

(1) من توجيهات الدكتور المشرف.

(2) الخبيص هو حلوى من التمر والسمن، المعجم الوجيز، مادة خبص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت