الصفحة 177 من 232

فقال: بأبي هذا الغالي الرَّخيص، هذا جليدُ سماء الرَّحمة، تَمَخّضَتْ [1] به فأبرزتْ منه زُبْدَ النِّعْمة، يُجْرَحُ باللّحْظ، ويذوبُ من اللّفْظ. ثم أبيَض، قالوا بماء البَيض [2] البضّ [3] ، قال غضُّ مِن غَضّ." [4] "

فهي عنده من أجود أنواع الحلوى غالية في قدرها رخيصة في سعرها، فكأنما بياضها ولينها جاء مستخلصًا من جليد سماء الرحمة وأقصى صور العطف والرقة اختلطت مقاديرها به فأبرزت لهم زبدة النعمة وخالصها في شكل حلوى الخبيص، وكان إمعان النظر لها كأنما يجرح سطحها، وكثرة النطق بها ووصفها كأنما يُذوب أجزاؤها، وتظهر هنا المبالغة في تصوير عمق افتتان الكاتب بها وبطعمها، ورضوخه عند قيمتها عن غيرها من أنواع الحلوى، فبوجودها يتجلى مظهر النعيم التام، الذي تأتي به الرحمة المطلقة بالخلق.

ومما يتضح جليًا في السياق هنا أن بين"الخبيص، والرخيص"موازنة، وقد أتى بها الكاتب في فواصل الفقرات، كما أن بينهما سجعًا متوازيًا حيث تتوافق الفواصل فيما بينها في الوزن والتقفية [5] ، وتمتد العبارة فيضعف فيها مستوى الإيقاع الصوتي في صياغة الموازنة والسجع، وذلك بين"الرحمة، والنعمة"لطول الفاصل بينهما؛ ليعاود البروز من جديد في المبالغة المقصودة في قوله:"يجرح باللحظ، ويذوب من اللفظ"، فبين"اللحظ، واللفظ"موازنة، كما أن بينهما سجعًا متوازيًا.

ثم تبرز الموازنة في فقرات قصيرة بين"البضَّ، وغضَّ"و"غضُّ من غضّ"، وبينهما سجعٌ متوازٍ في"البض، غضّ"ومحرف في"غضٌّ من غضّ"كما أن حرف الضاد يظهر مبثوثًا في نواحي متعددة من سياق الجملة الوصفية، وقد اقتربت فيه الكلمات المسجوعة اقترابًا شديدًا مما تسبب في اضطراب الإيقاع

(1) مخض اللبن أي استخرج زبدته بعد خلطه بالماء وتحريكه، المصباح المنير مادة مخض.

(2) ماء البيض أي زلال البيض،"التوابع والزوابع"، ص: 120.

(3) البضَّ أي الشديد البياض، أساس البلاغة، ج1، مادة بضض.

(4) رسالة التوابع والزوابع، ص: 120.

(5) الإيضاح في علوم البلاغة، م2، ج6، ص: 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت