الصوتي وإرباك الأداء الموسيقي المتناغم للمعنى"ثم أبيَض، قالوا بماء البَيض البضّ، قال غضُّ من غضّ."
والإيقاع الصوتي للموازنة والمماثلة في التعبيرات السابقة يخفف من الإحساس به الفصل بين الموازنات والمماثلات بجمل تتفاوت فيما بينها في الطول والقصر.
وقد يأتي الإيقاع خافتًا، ضعيفًا عندما يبالغ في زيادة طول تلك الجمل، وإن أتت في سياق معتدل متساوٍ في الكلمات والتعبيرات، غير أنه ذو أثر بالغ في انعدام صوت الإيقاع الموسيقي، ذلك ما نجده في قوله يصف دوحة تابع أبي تمام [1] ، يقول:"وركَضْنا حتى انتهَيْنا إلى شَجَرةٍ غَيْناء [2] ، يتفجَرُ من أصْلِها عَينٌ كمقلَةٍ حَوراء، فصاح زُهَير: ياعَتّابُ ابنَ حَبْناء" [3] .
فقد وصل هو وزهير إلى دوحة غيناء التفت أغصانها مخضرة نضرة، ونبع من أعماقها الماء، في بياض وصفاء فجأت أشبه بمقلة حوراء، نستدل من ذلك الوصف على أبرز مظاهر الجمال، وصور الاعتناء بالطبيعة وتهذيبها حتى أتت على هذا النسق من الإبداع، مع توفر أسباب الحياة ومكامن الجمال في أصلها، مما جعلها حقيقة بأن تكون دليلًا على دار عتاب ابن حبناء، تابع أبي تمام، وهنا نلحظ الرمز الخفي لمدرسة أبي تمام الشعرية والتي تعتمد على التصنع والتهذيب والتنقيح، مع توفر القريحة النافذ، وصدق الموهبة المانحة، كما هو الحال في تلك الدوحة.
فالموازنة التي تظهر بين"غيناء، وحوراء، وحبناء"، كما أن بينهم سجعًا متواز يظهر في الهمزة والمد، ينطلق معهما صوت النَفَسْ، فيذهب بحدة الإيقاع وتقسيماته، كما يظهر باديًا جليًا في سياقات الأمثلة السابقة، وإن كان فيها صورة رمزية لطبع أبي تمام ومدرسته الشعرية، غير أن طول الجمل في السياق أخفى ذلك الترنم الذي ينشده الكاتب في التعبير، إضافة إلى ذلك ما يمكن أن نشعر به من
(1) (*) سبقت ترجمته، ص: 115.
(2) الغيناء من الشجر الكثيرة الورق الملتفة الأغصان، المخصص، لابن سيده تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، ج3، السفر العاشر، ص: 221.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 98.