تكلف للصنعة البديعية في استخدام الموازنة في الجملة الأخيرة"فصاح زُهَير: ياعَتّابُ ابنَ حَبْناء"، وإن كانت العبارات معتدلة في ألفاظها وجملها، إلا أنه اعتدال أضرّ به التطويل، والاسترسال، وأثقله التكلف والصنعة. وهو أضعف المستويات البديعية في الموازنة وأقلها ظهورًا في رسالته.
إذًا فالموازنة هي لحن صوتي متناسق في موسيقى النص اللفظية مع السجع، وتمثل عند ابن شهيد في"التوابع والزوابع"المستوى الأدائي الثاني في الرقي والتميز الفني، والتعبيري؛ فكثيرًا ما نجدها تأتي موازية للسجع في الأسلوب والصياغة، وفي تمثلها لأفكار الكاتب الشخصية، ورؤاه النقدية، ومواقفه الانفعالية الخاصة التي أراد أن يثيرها في نفس المتلقي، وفكره، فظهرت عالية الإيقاع بين نصوصه في ثنايا فصول الرسالة، فالسجع المتوازي يعتبر منهجًا نغميًا اتخذه ابن شهيد أسلوبًا تأثيريًا في تراكيب السياق النثري.
ويقدر ابن شهيد قيمة الموازنة في الكلام فهو القائل:"فقلت ُ: في نفسي: قرعَكَ، باللهِ، بقارعَتِه، وجاءك بمُماثَلَته. ثم قلت له: ليسَ هذا، أعزَّك الله، منّي جَهلًا بأمرِ السّجع، وما في المماثَلة والمقابَلةِ من فَضْل".
فمن خلال ما سبق سرده من نصوص توضح مستويات الأداء البديعي للموازنة أو المماثلة عند ابن شهيد، والتي أقر باستخدامها، وحرص على مراعاتها في رسالته وأقواله المنثورة والمنظومة، والتي يخضع في صياغاتها، اللفظية، والمعنوية إلى حالة نفسية وعقلية، تملي عليه ما يقول، وتمده بالتراكيب والتعبيرات في إطار ما يطلبه المعنى، ويمثله الغرض.
كما نجد أنه يحرص على ما تتضمنه الموازنة من معانٍ نفسية، أو عقلية، على وأن يؤدي النغم فيها إلى حضور معنى اللفظ في الأسماع بتردد إيقاعه الموسيقي والصوتي في التركيب، وفي الغرض بثبات الهيئة والصفة؛ فجاءت صياغتها أبدع ما تكون في السرد الوصفي من رسالته خاصة، أو أن تصاغ من المترادفات في المعاني كما في قوله:"وقليلُ الالِتماح من النظر يزيدني، ويَسيرُ المطالَعةِ من الكتب ِتُفيدُني" [1] فبين"قليل، ويسير"ترادف لفظي فكلا اللفظتين
(1) رسالة"التوابع والزوابع"، ص: 88