الصفحة 180 من 232

تعبران عن معنى واحد، وهما أيضًا على وزن واحد، أو أن يظهر في ألفاظها تطابق واضح بين اللفظ والمعنى كقوله مثلًا في وصف الإوزة:"فمرَّة ً سابحة، ومرة ً طائرة، تنغمسُ هنا وتخرُج هناك" [1] فذلك الإحساس بالنشوة يظهر في حركة الإوزة عبر عنه بالمطابقة الموزونة في قوله"سابحة، وطائرة".

ويمكننا القول إنه نتيجة لهذه السجية المطبوعة في العرض، فإن البيان البليغ كما هو معروف إنما تظهر براعته حين يتبع اللفظ المعنى، ويتبع المعنى صدق التعبير والشعور عند الكاتب والمبدع، هذا يقودنا إلى القول بأن النظم النثري والشعري الذي يتبع كوامن الكاتب العقلية والنفسية إنما يخضع لمزاجه المتقلب، وانطباعه المتباين، في أغراضه المتنوعة، فمستواه عندئذ لا يلتزم خطًا إبداعيًا موحدًا بين الكلام، وذلك ما يتجلى بارزًا في رسالة ابن شهيد"التوابع والزوابع".

وقد سار ابن شهيد في استخدامه للموازنة والمماثلة، في نصوص رسالته على نهج فني متناسق، إذ غالبًا ما تأتي الموازنة والمماثلة في سياق بلاغي يعتمد على المعاني المصورة، كصور الاستعارة التمثيلية كثيرًا، وصور التشبيه التمثيلي أحيانًا، وكأنما يريد بذلك أن يمزج في عرض معانيه النفسية والعقلية بين الصور الخيالية المجسدة في حيوية تجذب الأذهان وتثير العواطف والانفعالات وبين الأسلوب الموسيقي المتناغم، الذي يبعث على التشويق، والطرب المترنم، مما يضمن معه سريان تلك المعاني، وانتشارها لتؤدي الغرض المراد منها والذي تقوم على أساسه رسالة"التوابع والزوابع".

ومما يلحظ بارزًا في موازنات الكاتب، ومماثلاته أنها تتداخل مع غيرها من ألوان البديع اللفظي كالسجع، والجناس، فيوفر لها ذلك الأسلوب أثرًا واضحًا في إشاعة جو موسيقي وتناغمي له صدى عالٍ في النص، فتتحقق معها آنذاك أهداف المماثلة والموازنة اللفظية، في حاجة الكاتب إلى الدقة والإحساس التعبيري في عرض المعاني، بصورة خالية من أسباب الملل والضجر؛ إذ أن ما يطلبه في الرسالة معنى شخصي وشهادة أدبية بتفوق فني، تقف حاجزًا أمام دعوات المغرضين والحاسدين.

(1) رسالة"التوابع والزوابع"، ص: 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت