الصفحة 183 من 232

جماليات المبالغة في تجاوز حدود الوصف: -

المبالغة أسلوب من البديع المعنوي في الكلام، تُسهم تعبيراتها الفنية في إيجاد شكل متميز للمعنى، وخصوصية للغرض الأدبي في السياق، يصل بها الوصف إلى أعمق معانيه، ويعرض لأدق تفاصيل الصورة من وجهة نظر شخصية تشكل ألوانها وحدودها التجارب والمواقف الفكرية والنفسية الخاصة بالأديب، والتي تتنوع بين مطلق الخيال في التصوير، والمزج بين حدود الحقيقة وآفاق الخيال فيقارب المعنى التصور النفسي، والعقلي ولا يماثل الواقع الحسي، فتستثير صياغاتها كوامن النفس وتشحذ الذهن، وتؤثر في التصورات والمواقف.

تُعرف بين فنون البديع المعنوي والبلاغي في الكلام"بأن يدعي لوصف بلوغه من الشدة والضعف حدًا مستحيلًا أو مستبعدًا لئلا يظن أنه غير متناه في الشدة أو الضعف" [1] .

فذلك الحد المستحيل أو المستبعد من حدود المعنى والذي هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه الوصف في الكلام، يكون ميزان الجودة فيه والحسن البلاغي والدلالي في نسقه ذوق المتلقي وموقفه الناقد من التعبير، فما وافق العقل والطبع منه فهو التبليغ، وما وافق الطبع دون العقل فهو الإغراق، وما رفضه العقل والطبع فهو الغلو.

والمبالغة في الأدب فنُّ برع في نسج بدائعه الكُتاب والشعراء قديمًا وحديثًا، فسجلوا في صوره طبيعة البيئة، ومقتضيات الزمان وأوضاعه، الاجتماعية والثقافية، فكانت انعكاسا لواقع العصر وأحواله.

ولبيان قيمتها البلاغية في التركيب، وما لها من أثر نفسي وعقلي وحسي على المتلقي، وتأثيري في المعنى، نجد أن القرآن الكريم وهو خير كتاب أنزل، وأتم أسلوب بلاغي نسج في العربية، جاء متضمنًا على طابع مميز من المبالغة البديعة والمؤثرة في سياق آياته، بل هي تمثل ملمحًا مهم من ملامح الإعجاز البلاغي والتعبيري في القرآن.

(1) الإيضاح في علوم البلاغة، ج 6، ص: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت