وعند البحث عن مقاييس جمال المبالغة في كتب البلاغة، وأجمل نصوصها في الكلام الأدبي، نجد أن أحسن المبالغات ما حمل المعنى وعبر عنه في أدق صوره، وأوسع شمولية للغاية، في أعمق معانيه وأجمل خيالاته؛ مع مراعاة إحداث التفاعل العاطفي بين النص والمتلقي، ودقة التمثل للمواقف النفسية والانفعالية.
صور المبالغة في رسالة"التوابع والزوابع": -
والمبالغة عند ابن شهيد في رسالة"التوابع والزوابع"تعرض لبيان قدرته الأدبية في النظم والتأليف، وتكشف عن صدق موهبته الفنية على السوق الفني والتعبيري، في نسق بديع ومؤثر، يجمع في طياته بين جمال التصوير ودقة الوصف، وإثارة الخيال، وعمق المعنى، في قالب لفظي منسجم مع الغرض.
لذلك فهي اللون البديعي البارز الذي يطالعنا به الكاتب ابتداء من مفتتح الرسالة وتمتد معه إلى خاتمتها، سواء أكان ذلك الحضور البديعي معنويًا أم لفظيًا في سياقها وتراكيبها، أم في مضمونها ومعانيها وأغراضها.
فهو يجعل من عالم الجن مسرحًا لأحداثها، ويتنقل فيه ما بين شاعر مبدع، وأديب مصقع، وناقد متمرس، وهو أمر خرج به ابن شهيد عن الواقع والمعقول عادة وعقلًا - وإن كان للجن عالمها الخاص الحقيقي إلا أنه كما يذكر القرآن {يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تََرَوْنَهُمْ} [سورة الأعراف آية 27] - ثم نراه يجاوز الحد في ذلك التصور والتخيل فلا يعرض نتاجه على أدباء عصره فحسب بل يتخطاهم إلى فطاحل الأدب الجاهلي والإسلامي في القديم والحديث، في المشرق والمغرب، ويبالغ في ذلك التجاوز فلا يقنع بتخيل شخوصهم الذاتية بل يسعى للوصول إلى مصادر الإلهام عندهم ومنابع الإبداع في نتاجهم، وهو في جميع تلك اللقاءات يمثل الأديب الفذ ّ، والناطق المفحم، فلا يؤخذ عليه وجه نقدي واحد، إلا ما كان يعقبه من مدح مبالغ فيه واعتراف بالقدرة والبيان التام والأكيد.
ومنهج المبالغة في رسالته ذو ميزة فنية وبلاغية تظهر فيما يتناوله من وصف وتصوير، وفيما ساقه من تعبير في سبيل التدليل على تلك القدرة والبراعة