الفنية العالية، كوصفه للبرغوث مثلًا، أو الفقيه الشره كما سنعرض لبيانه فيما يأتي إن شاء الله.
إذن نخلص من ذلك إلى أن المبالغة عند ابن شهيد الأندلسي تمثل صدى انفعاليًا يحسه الكاتب في نفسه، وتتحرك به مشاعره وعواطفه، فيعمد إلى إثارته في نفس المتلقي وفكره، فأساليبه في مبالغاته النابعة من نفسه والمتأثرة بمواقفه وآرائه، خاضعة في ذلك لما تمليه عليه قريحته الفنية والتعبيرية من كلام وخيالات، مما أدى إلى تباين مستوياتها الأدائية في دقة البيان عن مضمونها، وغاية الفصاحة في الوصول إلى مغزاها تبعًا في ذلك لما تهدف إلى تناوله من أغراض ذاتية أو فنية.
فهي من أرقى مستويات المبالغة، عندما تأتي للتعبير عن دقائق المعنى، وتبين عن غاية الوصف في الغرض المراد، في حلة من التصوير البياني والفصاحة الأسلوبية، كما في قوله على لسان تابع أبي الطيب المتنبي [1] ، يزهو بقدرته، ويفتخر ببراعته في كبرياء أدبي:"فلمّا انتهَيتُ، قال لزهير [2] إن امتَدَّ به طَلَقُ العُمُر، فلا بُدَّ أن ينفثُ بدُرَر، وما أُراه إلاَّ سيُحتَضَر، بين قريحةٍ كالجمْر، وهِمّةٍ تَضَعُ أخْمَصَه [3] على مَفرِقِ البَدْر" [4] .
فبعد أن عرض الكاتب على تابع أبي الطيب - والذي وسمه بـ"خاتمة القوم"إشارة إلى مكانته الشعرية، ومنزلته الأدبية في نفسه -، جانبًا من نتاجه الشعري، أجرى على لسانه عبارات الفخر والتمجيد الأدبي لذلك النتاج الشعري، والذي بالغ فيه فأصدره على لسان ملهم المتنبي وتابعه في نظم إبداعاته الشعرية، ليعزز بذلك دعوى تفوقه الشعري، ويصد افتراءات المغرضين، ويحوز بواسطته على رضا المتلقين، والاقتناع بما يَعرِضُ له من إبداع شعري.
فالمبالغة تظهر ابتداء في نص الشهادة عندما تكهن"حارث ابن المغلس"تابع المتنبي لابن شهيد بقصر العمر وسرعة الموت، بسبب ما بدا عليه من توقد القريحة الفنية والتي أشبهت الجمر في حرارتها؛ وهمته العالية في السوق والتأليف
(1) (*) سبقت ترجمته، ص: 115.
(2) هو تابع ابن شهيد الأندلسي، زهير بن نمير.
(3) الأخمص، باطن القدم الذي يتجافى عن الأرض، المعجم الوجيز، مادة خمص.
(4) رسالة التوابع والزوابع، ص: 114.