والتي تصل به إلى السطوع في سماء الأدب والنظم منه خاصة، الأمر الذي كان السبب في إنهاك قواه الفكرية، والاستيلاء على نفسه والتعجيل بدنو أجله.
ومما يلحظ هنا، دقة البناء التركيبي للصورة، فقد بدأها الكاتب، بإن الشرطية والتي تضمنت معنى الشك والنفي لما بعدها [1] "إن امتد به طلق العمر فلا بد أن ينفث بدرر، ..."إذ امتنع - من وجهة نظر تابع المتنبي - أن يكون من تلك الهمة المتميزة طول العمر، وإن كان - وهو أمر مشكوك فيه - فلابد أن تأتي بفنون من القول، تكون في نفاستها وجمال إبداعها أشبه بالدرر، فضلًا عن أنها تصدر منه طيعة سلسة ينسجها من طبعه وموهبته التي مثّلها بإدعاء صفة النفث لها على سبيل الاستعارة المكنية، إذ شبهها بالهواء يخرج عند النفخ بالنفس، طوى ذكر المشبه به، وأتى بشيء من لوازمه وهو النفث.
وفي الدرر تصوير على سبيل الاستعارة التصريحية، والتي تبرز نفاسة الكلام، وعلو قيمته، وبين النفث والدرر خيال وثاب، فلك أن تتخيل كيف ينفث بالدرر"وكل صورة استعارية تؤدي إلى المبالغة التي تعني بالنسبة للأديب قوة في الإحساس، والحضور النفسي للمعنى" [2] .
وكذلك في استخدام الاستعارة التمثيلية في قوله"وهِمّةٍ تَضَعُ أخْمَصَه على مَفرِقِ البَدْر"، فقد شبه بلوغه غاية المجد الأدبي بفضل همته العالية، بمن يضع أخمصه على مفرق البدر، طوى حال المشبه، وذكر هيئة المشبه به على سبيل الاستعارة التمثيلية التي تتشكل من عناصر أكثرها خيالية مجازية تؤدي إلى مبالغة كبيرة.
وللمبالغة في السياق ميزة بلاغية وسمة معنوية وفنية، تظهر في بلوغها بالمعنى أقصى غايات الخيال، والدقة في التعبير والذي يعرضه الغلو في صياغة الصورة المجازية، فمما لا يقبل عقلًًا ولا عادة أن يضع الكاتب أخمصه على مفرق
(1) إن هنا هي إنّ المخففة من الثقيلة، وتأتي بمعنى النفي وذلك إذا وليها"إلاَّ", يُنظر الإتقان في علوم القرآن للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت لبنان، 1407هـ 1987م، ج2، ص: 168.
(2) من توجيهات الدكتور المشرف.