الصفحة 187 من 232

البدر، وهي كناية عن همته العالية في النظم والطموح الراقي في التعبير، وحيازة المجد في القدرة على البيان والفصاحة.

كما يعد النسق الموسيقي في الصياغة سبب من أسباب الجمال الفني والتأثيري في سياق صورة المبالغة هنا، فقد اعتمد الكاتب على السجع القائم بين نهايات تلك الجمل المعتدلة"العمر، وبدرر، وسيحتضر، والجمر، والبدر"والسجع المتوازي منه في"جمر، وبدر"؛ وختام السجعات بحرف الراء، مما يؤدي إلى تكرار الصوت والتردد في النغم الموسيقي والتصور الخيالي والأثر النفسي للمعنى معًا، فحاز بذلك الجمال في الأداء وقوة التعبير عن الغرض الفخري في صياغة بليغة أنطق بها غيره من توابع كبار الشعراء"كتابع المتنبي"الحارث بن المغلس"."

ومن إبداع سياق المبالغة التي ساق فيها الكاتب غرضه الفخري أن رسم للمتنبي تلك الصفة المتشكلة من طبيعته الشعرية وتكوينه النفسي المتكبر، ليرمز في ذلك إلى أن"أبا الطيب كان يجيد في وصف الحروب، والفرس البيضاء كناية عن صراحته ووضوحه .. والعمامة الحمراء ترمز إلى أن في أصل طبعه كلفًا بالدماء .. والعذابة الصفراء ترمز إلى حقده على حكام عصره ورغبته في الانتقام منهم. وهو في الجملة متكبر شديد الذهاب بنفسه .. مجنون الطموح" [1] ، فتلك الأوصاف حريًا بها أن تجعله ضنينًا بشهادته، ناظرًا بعين ناقدة مدققة على أرقى ما يكون فيه الأسلوب الأدبي من إبداع وبراعة، والذي يتناسب وقدرته الفذة في النظم والتأليف، ذلك الأسلوب الذي لا يملك عنه تغاضيًا، ولا يستطيع لفصاحته ورقيه إنكارًا كان أسلوب ابن شهيد في شعره، تنبئ عنه تلك شهادته في ختام ذلك اللقاء:"فلمّا انتهَيتُ، قال لزهير إن امتَدَّ به طَلَقُ العُمُر، فلا بُدَّ أن ينفثُ بدُرَر، وما أُراه إلاَّ سيُحتَضَر، بين قريحةٍ كالجمْر، وهِمّةٍ تَضَعُ أخْمَصَه على مَفرِقِ البَدْر".

(1) تجديدات الأندلسيين في النثر العربي، د: إبراهيم موسى حاسر السهلي، نادي مكة الثقافي الأدبي، الطبعة الأولى 1420هـ، دار الحارثي للطباعة والنشر، الطائف، ص: 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت