الصفحة 188 من 232

وهنا تظهر المبالغة في غرض يقتضيها وهو الفخر الذي جاء في هذا السياق ضمنيًا، فقد وصف تابع المتنبي بأنه متكبر، ومعتز بفنه، ومتباهي بنظمه، فهو يجد أن أي نتاج أدبي لا يوازي، ولا يضاهي نتاجه الفني، وبلاغته التعبيرية، وعلى ذلك فهو يعترف بقدرة ابن شهيد، ويبالغ في مدحه وإعجابه بأدبه.

ومثل هذا النص في نسق المبالغة، ومضمونها الفخري أو المدح الذاتي بأسلوب استخلاص الحُكم وتضمين الرأي الخاص على لسان الغير، قوله يصف حال ناقد كبير من نقاد عصره، استمع لنظم ابن شهيد، وشهد توارث الموهبة وأصالتها في نسبه، يقول:"قال: والذي نفسُ فِرعونَ [1] بيدهِ، لا عَرَضْتُ لك أبدًا، إني أراك عَريقًا في الكلام. ثم قلَّ واضمحلَّ [2] ، حتى إن الخُنفَساء لَتَدوسُه، فلا يشغَل رِجْليها. فعجِبتُ منه." [3] .

فالقسم يحمل في طياته معاني العجز النقدي أمام القدرة البيانية والبلاغية الباهرة التي تتمتع بها شخصية ابن شهيد الأندلسي والتي كان يجري فيها على عِرقه [4] ، وهي بقية موروث من أصله ونسبه؛ ولا يقف الكاتب عند هذا الحد من وصف العجز النقدي بل نراه يبالغ في تصوير ما آل إليه حال ذلك الناقد المتجبر في نقده كتجبر فرعون في بني إسرائيل، من إحساس بالضعف والاستصغار فيقول:"ثم قلَّ واضمحلَّ، حتى إن الخُنفَساء لَتَدوسُه، فلا يشغَل رِجْليها"فقد بلغ من الحقارة والهوان في الرأي قدرًا لو قُدّر فيه للخنفساء أن تدوسه لما تعثرت به، أو شغلها عن مواصلة السير.

فالمبالغة هنا من الغلو المقبول لتضمنه جانبًا حسنًا من التخييل كما نبه إلى ذلك البلاغيون، ولكونه يصف جنيًا هو تابع شيخ من شيوخ النقد في عصره،

(1) فرعون هنا هو فرعون ابن الجون، اسم رمز به ابن شهيد لتابع عالم من علماء النقد في عصره، صرح بذلك في قوله:"هذا فرعون ابن الجون، فقلت: أعوذ بالله العظيم من النار والشيطان الرجيم! فتبسمَّ زُهيرٌ وقال لي: هو تابعةُ رجُل كبير منكم، ففهمتها عنه"رسالة التوابع والزوابع، ص: 146.

(2) أضمحل ضعف وانحل شيئًا فشيئًا حتى تلاشى، المعجم الوجيز مادة اضمحل.

(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 146.

(4) يقول بطرس البستاني:"والشعر في بيت أبي عامر عريق النِّجار، متلاحق الآثار، فأبوه عبد الملك شاعر، وكذلك جده مروان، وجد أبيه أحمد بن عبد الملك، ثم عمه وأخوه شاعران، وهو أجودهم شاعرية، وأخصبهم قريحة، وأطولهم نفسًا، وأوسعهم شهرة"المرجع السابق، ص: 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت