ويخاطبه في عالم الجن، ذلك العالم الذي لا يتأتى للإنسان رؤيته، وما يدور في ذهنه عنه إن هو إلا نسج من الخيال، ساقه الكاتب ليجد فيه سبيلًا للتندر والسخرية، والنيل، والاستهزاء من منتقديه من أبناء عصره.
ولصياغة المبالغة أثر في عرض المعنى السابق، وذلك باستخدام أسلوب التضاد المعنوي في الكلام، حيث وصف ذلك التابع بأنه فرعون في النقد، إشارة إلى عظيم القدر الذي بلغه ذلك الشيخ في الأدب والنقد، في مقابل تمام العجز الساخر والمخزي الذي اعتراه عند محاولته الاعتراض على تلك القدرة البالغة التي تميز بها البيت الشهيدي [1] .
ومن بديع هذا التركيب في سياق المبالغة، قوله يصف فقيهًا شرهًا، وقعت له الحلوى فطار بها عجبًا:"خرجتُ في لُمّةٍ [2] من الأصحاب، وثُبَةٍ [3] من الأتراب، فيهم فقيهٌ ذو لَقْم [4] ، ولم أُعرَّفْ به، وغَريم بطن ٍ [5] ، ولم أشعُرْ له، رأى الحَلوى فاستخفَّه الشَّرَه، واضطَرب به الوَلَه، فدار في ثيابه، وأسالَ من لُعابِه، حتى وقف بالأكداس [6] ، وخالط غَمارَ الناس [7] " [8] .
فتلك أوصاف هي غاية في الاستخفاف تنبئ عن شخصية طاعم شره، وأن تكون تلك الشخصية لفقيه فذلك منتهى السخرية والاستهزاء، إذ لا يتفق التهالك على مظاهر الدنيا من شهوة البطن مع اتزان الفقيه العالم بالدين!؛ وهذا غرض في هجاء الفقهاء أراد ابن شهيد أن يوصله لسامعه، مع حرصه التام على أن يثبت في صياغته للسياق قدرته البلاغية على الوصف والتحبير.
فقد بالغ في نعته إذ وصفه بأنه"فقيه ذو لقْم"أي سريع الأكل، و"غريم بطن"أي محكوم النفس للطعام، مشغول عن الفكر بالبطن، عبر عن ذلك بالمجاز
(1) وذلك لأن اعتراضه والشهادة التي انتزعها ابن شهيد منه كانت بعد سماعه وإعجابه بأبيات تنسب إلى جدوده، وأبيه وعمه وأخيه، يُنظر رسالة التوابع والزوابع، ص: 144.
(2) اللمة الناس المجتمعون، وهي الرفقة، المعجم الوجيز مادة لمَّ.
(3) الثبة الجماعة من الناس، لسان العرب مادة ثبَّ.
(4) لَقِم الشيء لقمًا أكله بسرعة، المعجم الوجيز، مادة لقم.
(5) الغريم الدائن، وغرم غرمًا وغرامة أي لزمه شيء غير ما يجب عليه، المصدر السابق، مادة غرم.
(6) كدس التمروالدراهم، كدسًا وضع بعضها فوق بعض، والأشياء تراكمت وازدحمت، المصدر السابق، مادة كدس.
(7) غِمارُ الناس جمعهم المزدحم المتكاثف. المصدر السابق، مادة غمر.
(8) رسالة التوابع والزوابع، ص: 119.