الصفحة 200 من 232

الطباق بين إبداع التباين والاتفاق: -

إن من أهم الركائز الأساسية في الوصف بالبلاغة، والبراعة في النظم، أن يجنح المتكلم للإيجاز في التعبير، دون إخلال بالمعنى أو تقصير في بيان الغرض، أو إضرار بجودة السبك، أو إساءة في التركيب، وذلك يعتبر سرًا من أسرار العربية، وجانبًا بارزًا من جوانب الإعجاز القرآني، وقيمة بلاغية في التصور البياني.

والطباق لون من ألوان البديع المعنوي في البلاغة العربية، ويمثل نسقه في التعبير أحد أبرز أساليب الإيجاز في الكلام، فالتضاد القائم بين المفردات ينبه القارئ إلى الدقائق اللفظية والمعنوية التي يضيق النص التعبيري عن الإلمام بتفاصيلها اللغوية، وخفايا أصولها المعنوية، والدلالية.

والتضاد في اللغة من"ضاده أي خالفه، وكان له ضدًا، والضد المخالف والمنافي، ويقال: هذا اللفظ من الأضداد: أي من المفردات الدالة على معنيين متباينين" [1] .

فذلك التباين والاختلاف الذي أشار إليه المعنى اللغوي للفظ؛ بين المتضادات من الأشياء، هو سجل المعاني الجمة في السياق، ومظهر الإيجاز اللفظي في النسق، والتفصيل المعنوي في التعبير، ودليل من دلائل الفصاحة، والبلاغة في الكلام.

والمطابقة في مصطلح أرباب البلاغة والبيان هو فنُّ من القول، ونهج في الأسلوب ينص على"الجمع بين متضادين أي معنيين متقابلين في الجملة" [2] ، وأيًا كان شكل ذلك الجمع والتضاد سواء بين الألفاظ المنطوقة، أو بين المعاني المقصودة، حقيقيًا كان أم خياليًا ومجازيًا، فهو لون يفصح عن عميق المعاني ودقيق المراد والغرض.

حفلت بصياغاته سور الكتاب المنزل، فكان من دلائل إعجازه في النظم وسمة تميزه في التأليف، يثير إبداع نسجه انفعالات القارئ، وتحرك مقابلاته ذهن المتلقي، فتنجذب إليها النفوس والأسماع بما تشيعه من موسيقى داخلية في النص، وتوافق بين معاني الكلام، إذ يكون تأدية الغرض فيه سبيله الاختلاف في اللفظ.

(1) يُنظر المعجم الوجيز، مادة ضاد.

(2) الإيضاح في علوم البلاغة، ج 6، ص: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت