وعند البحث عن صور بلاغته ومكمن جماله نجده لا يتمايز عن غيره من فنون البلاغة العربية، فهو محسن بديعي معنوي، بيانه وفصاحته تكمن في سجيته المطبوعة من نفس القائل دون تكلف أو تصنع ممقوت، أو تعقيد يعمي على الغرض، ويبهم المقصود، فيكون حلقة في لآلئ اللغة العربية، والإعجاز البلاغي في القرآن، وفريدة من فرائد الجمال في الفصاحة والبيان، وهو على ذلك"من الأمور الفطرية المركوزة في الطباع التي لها علاقة وثيقة ببلاغة الكلام، إذ الضد أقرب حضورًا بالبال عند ذكر ضده" [1] .
إبداعية التضاد في رسالة"التوابع والزوابع": -
وإن اعُتبرت رسالة"التوابع والزوابع"وثيقة احتجاج صاغها الكاتب لمواجهة خصومه والرد على دعوى حساده من أصحاب الأدب والبيان في عصره، فهو وبلا شك يتحرى البلاغة في نظم فصولها، ويأخذ بأطراف الإبداع اللفظي والمعنوي في التعبير عن أدق تفاصيلها، ويبحث في أسباب الفصاحة والبيان في عرض مضمونها.
وإذا كان الطباق لونًا من ألوان البلاغة البديعية التي تعجب بنسجه العقول، وتجتذب لإبداعه النفوس، وتدرك بلاغة صوغه الأذهان، فقد وشح به أبو عامر رسالته"التوابع والزوابع"، وكان في تعبيره صورة من صور البراعة والقدرة على التأليف، إذ جعل من أساليبه وسيلة في إظهار الحجة، وضمن منطوق لفظه الموجز دقائق معانيه وانفعالاته النفسية، وخفايا مواقفه الذاتية والفكرية، كما أبان في نسقه عن موهبته الأدبية الأصيلة، وقريحته البيانية المتوقدة، فجمع سياقه كلّ ما يرمي إليه الكاتب من أغراض في الرسالة نفسية وعقلية، وأدبية، ذاتية، أو نقدية، وكان حجة دقيقة ومدركة على براعته في التأليف.
ولكون ابن شهيد إنما يكتب من نفسه، ويجري في بيانه على سجيته وطبعه، وقد يعرض له ما يعرض للنفس البشرية من الفتور الذهني والتقلبات المزاجية
(1) الصبغ البديعي في اللغة العربية، د: أحمد إبراهيم موسى، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1388هـ، ص: 471.