والانفعالية، وهي تؤثر بوضوح في أسلوبه وإبداعه، ويتشكل في إطارها ومقتضياتها نمط منهجه التعبيري؛ وبما أن الطباق فنُّ من فنون القول المعبر عن القائل، وصورة من صور البلاغة في الأسلوب فهي تتأثر بتلك المواقف، والتغيرات، فتتبلور في نطاقها صياغاتها الفنية، وتنتظم من تكويناتها تراكيبها المعنوية، فيظهر معها تعدد المستويات وتنوع بلاغة الأداء في النسج الفني.
فقد نجده يأتي من أرقى مستويات الأداء الفني، وأبدع أساليب الجمال التعبيري عن المعنى، عندما يعرض في سياقه لأدق تفاصيل الصورة، ويشتمل على جميع نواحي الوصف في بيان موجز، وتصورٍ معنوي واضح، يكون للكاتب بينة في التفوق والبراعة كقوله يصف برغوثًا:"أسْودُ زَنْجِيّ، وأهليٌّ وَحْشِيّ، ليس بِوان ٍ [1] ولا زُمَيْلْ [2] ، وكأنّه جُزء لا يتجَزَّأُ مِن ليل؛ أو شُونِيزة [3] ، أوثقَتْها [4] غريزة؛ أو نقطة ُ مِداد، أو سُوَيْداءُ قلبِ قُراد [5] ، شُربه عَبّ [6] ، ومَشْيه وَثْب [7] ؛ يَكْمُنُ نَهارَه، ويَسْري ليلَه؛ يدارك [8] بطَعْن ٍ مؤلم، ويَستَحِلُ دمَ كلّ كافرٍ ومُسلِم، مُساوِرٌ [9] للأساوِرة [10] ، يَجُرُّ ذيلَه على الجبابرة، يتكفّرُ [11] بأرفع ِ الثّياب، ويهتِكُ سِترَ كلّ حِجاب، ولا يحفِلُ ببَوَّاب؛ يرِدُ مَناهِلَ العَيش العَذبة، ويَصِلُ إلى الأحراج [12] الرَّطْبة، ولا يَمنَعُ منه أمير، ولا يَنفَعُ فيه غَيرةُ"
(1) بوان من ونى في الأمر فتر وضعف، وكلَّ وأعيا، يُنظر المعجم الوجيز مادة ونى.
(2) الزَّامل من الدواب، الذي كأنه يظلع من نشاطه، والظلع عرج في المشي، يُنظر المرجع السابق، مادة زمل، وظلع.
(3) شنز الشينيز، من البزر، بكسر الشين غير مهموز، عن أبي حنيفة قال: هذه الحبة السوداء، قال: وهو فارسي الأصل، يُنظر لسان العرب مادة شنز.
(4) أوثقتها من التوثيق، أي الإحكام، يُنظر المعجم الوجيز مادة وثق.
(5) القراد دويبة متطفلة ذات أرجل كثيرة، تعيش على الدواب والطيور، ومنها أجناس الواحدة قُراد، المرجع السابق، مادة قرد.
(6) عبَّ الماء عبًّا شربه بلا تنفس ولا مص. المرجع السابق، مادة عبَّ.
(7) وثب يثب وثوبًا طفر وقفز، المرجع السابق، مادة وثبَ.
(8) يدارك، مداركه، لحقه، وأتبع بعضه بعضًا، المرجع السابق، مادة درك.
(9) ساوره مساورة واثبه، وأخذ برأسه في العراك، المرجع السابق، مادة سار.
(10) الإسوار قائد الجيش، جمعها أساورة، المرجع السابق، مادة سار.
(11) كفر الشيء وعليه كفرًا، ستره وغطاه، المرجع السابق، مادة كفر.
(12) الأحراج من الحرج وهي غيضة ملتفة الشجر لا يقدر أحد أن ينفذ فيها، والشديد الضيق. المرجع السابق، مادة حرج.