الصفحة 203 من 232

غَيور، وهو أحقر كلّ حقير؛ شرُّه مَبْثوث، وعَهدهُ منكوث [1] ، وكذلك كلُّ بُرغُوث، كفى بهذا نَقْصًا للإنسان، ودلالة ًعلى قُدرةِ الرَّحمَن" [2] ."

فالكاتب يرسم للبرغوث صورة تستمد ظلالها من نظرته الخاصة وانفعالاته الشخصية، إذ جعل له نصيبًا من القوة الخفية المتسلطة والتي تفوق قدر الموصوف بها من شكل صغير وضئيل، وتتناقض مع هيئته الحقيرة؛ يركز الضوء فيها على مجمل صفاته الحسية والمعنوية، في صياغة فنية وبلاغية بديعة ومؤثرة، فقد شبهه بالزنجي لسواد لونه - ولونه صفة عرض لها ابن شهيد في صور متعددة لكونها من الصفات الحسية المتميزة لشكل البرغوث - ثم وجده ذا ازدواجية في الطباع فعبر عنها بالطباق اللفظي والمعنوي في قوله:"أهليٌّ وَحْشِيّ، ليس بِوانٍ ولا زُمَيْلْ".

فالبرغوث يألف الإنسان، ويستأنس في وجوده، وهو مع ذلك وحشي التصرف شديد الهجوم عليه، فكان جديرًا بأن يوصف بالقوة والجرأة عندما نفى عنه الجبن والضعف، وذلك ما تبين عنه المطابقة المعنوية في قوله:"ليس بِوانٍ ولا زُمَيْلْ"، فمع انتفاء الضعف تثبت القوة، ومع ذهاب الجبن تأتي الجرأة، ويعطف الكاتب مرة أخرى على تصوير حجم البرغوث ولونه ليكمل بها الصورة الحسية الظاهرة للبرغوث، غير أنه أتى على وصف سواده في نسق معنوي مختلف جمع فيه بين الشكل، والحال، فشبهه بالليل، وبالغ في تلك الصورة فجعله جزءا لا يتجزأ منه، وكأنه بذلك التشبيه يرمز إلى ارتباط نشاطه الوثيق بحلول ظلام الليل؛ وتتعدد الصور في خياله وتتنوع الأوصاف، فشبهه بالشونيزة في صغر حجمه، وهو على ذلك لا يخرج عن تقدير العزيز الحكيم ففي تصرفه يحتكم إلى فطرة وغريزة خُلقية ركبت فيه تملي عليه تصرفه، وحركته، ويتكلف الكاتب التشبيه، ويتعمق في طلب التماثل فيشبهه بنقطة المداد تارة، وبسويداء قلب قراد أخرى، وهو بتلك التشبيهات المتعددة للبرغوث يبين عن غرض المبالغة في تصوير حجمه المتناهي في الصغر، والضئيل الشكل حقير الهيئة مع عظيم الضرر وجسيم الفعل.

(1) العهد المنكوث المنبوذ، ونكث العهد نقضه، المرجع السابق، مادة نكث.

(2) رسالة التوابع والزوابع، ص: 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت