الصفحة 214 من 232

تمنح نثرهم ما يلزمه من الإيقاع الذي يضفي على الفنّ الأدبي جانبًا هامًا من مقومات الجمال فيه" [1] ."

ورسالة"التوابع والزوابع"، والتي تعتبر حديث النفس المنافحة عن قدراتها الأدبية في وجه ضغوط الحساد والناقمين، وتصريحات الفكر الناقد المدرك لأسرار الجمال الفني في التعبير، كان لها في نسق الصبغ البديعي خصوصية تحمل تلك المشاعر والأفكار، وتعبر عنها في وضوح، وتناغم منسجم مع مواقف الكاتب الشخصية، وطبيعة تكوينه النفسي، والتي تتباين كليًا وجزئيًا بين فصول الرسالة، ونصوصها.

وقد اعتمد ابن شهيد الأندلسي الصبغ البديعي وسيلة بلاغية وجمالية في التعبير ومؤثرة في عرض الأفكار والمعاني في فصول رسالته"التوابع والزوابع"وفي نسج نصوصها، فكانت موشاة بفنونه، ومعبرة عن مضمون مكنوناته النفسية، منبهة إلى أغراضه الشخصية في صياغة تميزها"سهولة ألفاظها، وسلاسة أسلوبها، واستخدام المحسنات البديعية بشكل غير متكلف" [2] .

فكان لذلك النسق في ألوانه وبين تراكيبه تفاصيل فنية دقيقة، ومستويات أدائية متباينة، تُكّون في مجموعها انسجامًا إيقاعيًا صوتيًا، ومعنويًا لذلك النغم الموسيقي للأداء البديعي في الرسالة.

وابن شهيد حين نظم رسالته كان يسعى جاهدًا لإيصال محتواها للقارئ غير محتفل بتصيد البديع وطلبه في السياق، فجرى فيها على الطبع دون تكلف أو تصنع مخل، إلا فيما ندر حتى رأينا نماذج الأسلوب البديعي المتكلف قليلة نادرة بالقياس إلى مستويات الصياغة البديعية المطبوعة والمستحسنة عنده.

فقد انصرف همه الأول لإثبات تفوقه وهي قضية أسرف ابن شهيد في التفكير فيها وأفرد لها الكثير من نظمه ونثره، وقد ظهر ذلك من خلال تتبع سير مستوى البديع في الرسالة فهو يضعف ولا يستهجن عند المدخل لذلك العالم الغيبي، حيث يبين عن تفوقه الشعري بذكر نصوص متنوعة، والاحتفال بالالتقاء بشعراء مشرقيين كان

(1) النثر الأدبي في الأندلس، في القرن الخامس، مضامينه وأشكاله"، ج2، ص: 654."

(2) الأدب الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة، ص: 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت