تذبذب الإحساس بوقع المعنى النفسي عند الكاتب وبالتالي في السياق، مما كان معه الفتور في الإحساس بالنغم الصوتي، وتكراره على الأذن، وسرعة توارد المعنى على الذهن، أما المستوى الثالث ما عمد فيه ابن شهيد إلى التكلف والصنعة المقصودة في النغم الموسيقي للمعنى مما أدى إلى رداءة الأسلوب، والتحرج في سياق التركيب المعنوي، وهو المستوى الذي لا يمثل سمة واضحة في أدب ابن شهيد، ونثره وخاصة في رسالته"التوابع والزوابع".
وأخيرًا فإن ذلك التباين في مستويات الأداء البلاغي للبديع اتفق مع نظرة ابن شهيد النقدية الخاصة للبديع والتي تلخصت في أنه ضرورة فنية في الكلام، وميزة بلاغية خضعت لظروف العصر، بشرط أن لا تأتي متكلفة، متصنعة ممقوتة، وهذا إنما يشير في جملته، وتفصيله إلى أن ابن شهيد إنما كتب من نفسه، ونطق عن عواطفه، وفكره، وثقافة عصره، وموهبته الفطرية، مما دل على أنه شاعر، وناثر، وناقد، احتل مكانة مميزة في الأدب الأندلسي، وكان له سمت خاص، استمده من شخصيته، وطبيعة تكوينها، وأن اختلاف مستويات أدائه البلاغية، ما هي إلا دليل إبداعي، وأسلوبي على قدرته الفذة، وبراعته في النظم والتحبير، إذ أن الضد يظهر حسنه الضد.
وعلى هذا فهو أديب لم يحظ بجانب واسع من الاهتمام الأدبي، والبلاغي، وإن كنت لأرجو أن تكون دراستي هذه قد سلطت الضوء على جانب يسير من خفايا بلاغته الأدبية في الشعر والنثر، إلا أنها لا تأخذ بمختلف الجوانب الأدبية، والفنية، ولا تكشف عن سرٍّ ذلك الإبداع إلا في حدوده الضيقة، فما يزال أدب ابن شهيد بحاجة لأن يدرس، ويبحث في لغته، وتراكيبه، وأسلوبه، ومعانيه، وخاصة ديوانه الشعري الذي يفتقر إلى الدراسة الأدبية التحليلية في عرض أغراضه، ومعانيه، وغاياته؛ وكذلك الحال في رسالته"التوابع والزوابع"، أو بقية رسائله في كتاب الذخيرة، وإن امتازت"التوابع والزوابع"بقدر من الاهتمام والدراسة، إلا أنها لا تأتي على جمالياتها، أو تعابيرها، وتراكيبها الأسلوبية البديعة.
هذا والله أسأل التوفيق، والسداد، والهدى إلى سبيل الرشاد، فما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله.