الصفحة 41 من 232

التشبيه وفنية التعبير الخيالي: -

التشبيه في البلاغة العربية هو النسق البياني المعبر عن صور الجمال المعنوي في الكلام، وهو أسلوب تصويري وقيمة فنية وتأثيرية، ولغة تنطق بخوالج النفس وتتمثل العواطف والمواقف الذاتية، وصياغة أدبية عالية النسج والإبداع.

ينص مفهومه الاصطلاحي في علم البلاغة على أنه فنُّ يتضمن"الدلالة على مشاركة أمر لآخر في المعنى" [1] . مشاركة تمنحُ في سياق الكلام والتصوير خصوصيات الأوصاف لغيرها، فتتفق فيها المتباينات، وتتقارب في السمات والهيئات، وتقوم على أساس المشابهة والمماثلة المبدعة والمعجبة بين الأشياء، فيتنبه الإدراك عند نسجها إلى صور الالتقاء ومعالم الاتفاق الخفية أو الظاهرة بين الأشياء،"حسية كانت أم عقلية".

وصفه ابن الأثير فقال:"إنه من أبين أنواع علم البيان مستوعر المذهب وهو مقتل من مقاتل البلاغة، وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة، وإما معنى يعز صوابه، وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر" [2] ، وما ذلك الوصف والسمة للتشبيه إلا لأنه، إبداع من نسج الأديب، ودليل على نباهة الذهن، وسرعة البديهة، ودقة الوصف، وسعة الخيال، وفوق ذلك هو ميزة على القدرة الأدبية، والفنية في اختراع الصور، والتجديد فيها، وفي نسجه تجتمع تمام آلة البلاغة، وتكون سلامة النفس والموهبة.

ويمثل فنّ ُ التشبيه المعين الخصب الذي يقصده علماء البلاغة والنقد، وأرباب البيان، والفصاحة والتعبير، فسياقه وصوره تُظهر جماليات النص اللفظية، والمعنوية، لذلك فهو يعتبر نافذة القارئ الناقد على آفاق خيال الأديب المبدع، وهو الأسلوب الفني الذي يعين الشاعر والكاتب على الإفصاح في دقة، وجمال فني وخيالي عن جليل أغراضه، وعميق معانيه بما ينسجم مع حالته النفسية والثقافية الخاصة أولًا، وبما يتوافق مع أحوال السامعين، والقراء ثانيًا.

(1) الإيضاح في علوم البلاغة، للخطيب القزويني، شرح وتحقيق، د: محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ، 1993م، المجلد الثاني، ج4، ص: 16.

(2) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لأبي الفتح ضياء الدين بن الأثير، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ج1، ص: 378.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت