الصفحة 53 من 232

وتَرَى مَوَاضِعَ عَضِّهِ مَخْضُوبةً ... بِدَمِ القُلُوبِ وما تَعَاوَرَهُ خِضَابْ [1]

قَرْمٌ مِن اللَّيْلِ البَهيمِ مُكَوَّرٌ ... يَمْشى البَرَازَ ومَا تُوارِيِهِ ثِيابْ [2]

عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُ وَلَكِنْ قَدْرُهُ ... أَخْزَى وأَهْوَنُ مِن ذُبَاب في تُرابْ

إن إحساسًا عميقًا بالألم يحدثه البعوض لدى الشاعر، ورغبة خفية تلح عليه في إثبات تفوقه الشعري في النظم، هي ما تحذو به لأن يصف البعوض، ويتفنن في تصوير حاله، وقوته التي لا تخفى على أحد، غير أنها عند الشاعر كانت ذات وضع مختلف، وهيئة متجددة، فهو ينسج له وصفًا يستمده من تفاصيل المعركة التي تخيل أحداثها قائمة بين البعوض والإنسان، بما فيها من مظاهر هجوم البعوض على الإنسان، واستماتت الآخر في الدفاع عن نفسه، بدون جدوى، وأسهم التركيب البلاغي في دقة عرض تفاصيل تلك الصورة فاستخدام أسلوب التشبيه الضمني والاستعارة مما يعكس المبالغة في وصف الهجوم والسطوة، في مقابل ضعف الدفاعات والقدرة على الصدّ، فقد جعل البعوض يبدأ بالهجوم فشخصه بالاستعارات المتوالية يسري إلى الأجسام، وهو السير ليلًا للإنسان، ويهتك الحجب، وهو مفترس في هجومه، ضار في لدغه فاستعار له"العض"استعارة مكنية، وسلاحه في تلك المعركة"فوه"والذي شبهه الشاعر ضمنيًا بالحراب، وجعلها من أشدها فتكًا فعبر عن ذلك"بأفعل التفضيل"فقال:"من أعدى الحراب"، وهو على ذلك محارب يتمتع بالجرأة، والإصرار في الوصول لأهدافه، ولا يعبأ بما قام له من دفاع وصد، فقال عنه"ولا يثنيه عما قد تعوه طلاب"، فأما آثار تلك المعركة فتبدو واضحة على الخصم"الإنسان"والتي أبرزها الشاعر في تشبيه دم القلوب - وهي كناية عن آثار ضرره ولدغه -"بالخضاب"، وصاغ التشبيه صياغة تخفيه وتجعلنا نشعر وكأنه خضاب حقيقي، وكانت إضافة الدم للقلوب تعكس شعوره بالألم الشديد والضرر البالغ.

والبعوض في صراعه كان أشبه بالسيد الأسود شديد القوى، فهو قرم منتزع من الليل، لا يهاب الموت، ولا يخاف الخصم يمشي البراز، ولا يستتر بالثياب.

(1) المُعاوَرة والتَّعاوُر: شبه المُداوَلة والتَّداوُل في الشيء يكون بين اثنين، لسان العرب مادة عور.

(2) القَرْم: فحل الإِبل، القَرْمُ من الرجال: السيد المعظم، والمكور: الكَوْرُ لَوْثُ العمامة يعني إِدارتها على الرأْس، وقد كَوَّرْتُها تَكْويرًا، البراز بمعنى الظهور لسان العرب مادة قرم، كور، برز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت