الصفحة 52 من 232

المستعين [1] [2] : -

لَعَلَّ نَسيمَ الرِّيحِ تأَتي به الصّبا ... بنشرِ الخُزامى والكِباءِ المُعَبَّق [3]

كأَنَّ علَيْهَا نَفْحة ً عَبْشَمِيَّةً ... أَتَتْ مِن جنابِ المًسْتَعِينِ المُوَفَّق

فأيدي المستعين الكريمة على الشاعر كان له منها موقف مميز، وحال متفرد، حتى رأى أن ريح نسيم الصبا وما تأتي به من نشر الخزامى، والكباء المعبق وما فيه من طيب، هي نفحة من نفحات آل أمية، والمستعين الموفق منهم خاصة، والأصل المعتاد أن يشبه نفحة الممدوح بنسيم الصبا، فاستخدام التشبيه المقلوب في تصوير نفحة الممدوح كان ذو أثر جمالي يعمد إلى إضفاء قدر من المبالغة المعنوية على الممدوح"والمعاني إذا وردت على النفس هذا المورد كان لها ضرب من السرور خاص وحدث بها نوع من الفرح عجيب، فكانت كالنعمة لم تكدرها المنة، والصنيعة لم ينغصها اعتداد المصنع لها" [4] .

وقد يبالغ ابن شهيد في بيان الوصف، فيأتي التشبيه الضمني [5] بحيث يتوهم معه تمام التماثل بين الطرفين، فترتقي معه الصياغة التشبيهية في عرض المعنى، كقوله يصف بعوضًا [6] : -

يَسْرِىِ إِِلى الأَجْسَامِ يَهْتِكُ عَدْوُهُ ... عنِ كُلِّ جِسْمٍ صِيغَ بالنُّعْمَى حِجَابْ

وَيَعَضُ أَرْدَافَ الحِسَانِ وماله ... كَفٌ وَلَكِنْ فُوهُ مِن أَعْدَى الحِراب ْ

مُتَحَكِّمٌ في كُلِّ جِسْمٍ ناعِم ... مُتَدَ لِّلٌ مَا بَيْنَ أَلْحَاظِ الكِعَابْ

فإِذا هَمَمْتَ بِزَجْرِهِ وَلَّى ولا ... يثنيه عَمَّا قد تَعَوَّدَهُ طِلابْ

(1) (*) هو سليمان بن الحكم بن سليمان الناصر لدين الله بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي، بويع بقرطبة بعد وقعة كانت له على أميرها محمد ابن عبدالله الملقب بالمهدي، ملك قرطبة ست سنين وعشرة أشهر، كانت كلها شداد نكدات، كريهات المبدأ والفاتحة؛ لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف. قتله علي بن حمود، عام 405 هـ. يُنظر الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1 م1، ص: 35.

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 133.

(3) الخزامى نوع من النبات العطر، المعجم الوجيز، مادة خزم.

(4) أسرار البلاغة، ص: 223.

(5) التشبيه الضمني هو الذي لا يعبر عنه صراحة، وإنما يلمح في الكلام، يُنظر نص ذلك في أساليب البيان والصورة القرآنية دراسة تحليلية لعلم البيان، ص: 37.

(6) ديوان ابن شهيد، ص: 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت